إحياء أمسية ثقافية في القبة الفلكية بطرابلس ضمن فعاليات “كتاب في الذاكرة”

متابعات- الموقف الليبي
نظمت جمعية الآداب والفنون، مساء أمس الثلاثاء، أمسية ثقافية في القبة الفلكية بطرابلس، وذلك ضمن سلسلة فعالياتها المستمرة «كتاب في الذاكرة»، وباستضافة من إذاعة طرابلس المحلية.
وأدارت الأمسية الكاتبة والصحفية فتحية الجديدي، بمشاركة الشاعرة والمترجمة مريم سلامة، والكاتب والشاعر عبدالحكيم كشاد، حيث قدّما قراءتين تأملّيتين في كتب أثّرت في تكوينهما الأدبي والفكري وشكّلت محطات مهمة في مسيرتهما الثقافية.
استعادت الشاعرة مريم سلامة ذكرياتها الأولى مع رواية «الجريمة والعقاب» للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، ووصفت لحظة تعرّفها على الرواية بأنها كانت لحظة فارقة في وعيها القرائي، إذ أمسكت بالكتاب منذ أربعة عقود، وألقت عليه نظرة تأمل طويلة قبل أن تبدأ قراءته على مهل، لتجد فيه ثِقلاً وغموضًا دفعاها إلى إعادة التصفح مرات عدة.
وقالت سلامة إن انغماسها في القراءة لاحقًا ولّد لديها شعورًا عميقًا بالوحدة وتزاحمًا للأسئلة، مضيفة:
«كلما رفعت عيني وعدت إلى مكاني، أجدني في مقارنة بين مدينة في منتصف القرن التاسع عشر وقرية في منتصف القرن العشرين، بين بطرسبورغ ومنطقة البدري بطرابلس، حيث الخواء والفراغ والبساطة والضجر. بيوت متباعدة تترك الكثير من المسافات، وأناس عاديون ليس بينهم سكّير أو عجوز مرابية أو طالب مهاجر يسكن بالإيجار».
وتابعت حديثها عن تأثير الرواية قائلة إنها وجدت نفسها أمام أسئلة وجودية متتابعة عن منطقية تصرفات الشخصيات، وعن قدرة الإنسان على الإفلات من كوابيس الذنب التي تطارده، مضيفة:
«لا أذكر كيف قرأت الرواية ولا كيف انتهيت منها، لكن أذكر تمامًا المشقة والصعوبة التي صاحبتني في قراءتها، فقد كانت القراءة في ذلك الزمن ضمن بيئة جدباء، تعتبر الاهتمام بكتاب خارج المقررات الدراسية أمرًا يدعو للغرابة».
وفي الجزء الثاني من الأمسية، تحدّث الكاتب والشاعر عبدالحكيم كشاد عن تجربته القرائية مع كتاب «تشريح جثة الاستعمار» للمفكر الفرنسي غي دو بوشير، بترجمة الروائي المصري إدوارد الخراط، موضحًا أن الكتاب شكّل بالنسبة له بوابة لاكتشاف الفكر السياسي والفلسفي المرتبط بالاستعمار وتبعاته.
وقال كشاد إن المؤلف ناقش في كتابه مفهوم الاستعمار ومنهجه، بأسلوب تحليلي أثار فضوله وشغفه، مؤكدًا أن النص قدّم رؤية نقدية عميقة لأوروبا باعتبارها — على حد وصف بوشير — «الصوت الوحيد المدوي منذ ألفي عام».
ونقل كشاد عن بوشير قوله:
«إن التاريخ الحقيقي للإنسان يُستشف من خلال خبرات متعاقبة تنطوي على فعل الاستعمار».
كما أشار إلى تساؤل طرحه المؤلف: هل انتهى الاستعمار فعلًا؟ ليجيب بوشير بأن الاستعمار «انتهى بالتحرر من الاستعمار، لكنه عاد بوجوه أخرى»، مضيفًا أن التحرر الحقيقي لا يتحقق بدفن جثة الاستعمار، بل بالتخلص من تبعاته وتفكيكه بالعقل.
واستعرض كشاد عددًا من فصول الكتاب، التي استهلها المؤلف بتفسير المفردات وتحليل معانيها، لاسيما كلمة «الاستعمار» وتحوّلات مدلولها عبر الزمن. كما تناول تطور مفهوم السيطرة في الفكر الأوروبي، بدءًا من «المغامرات» التي مارسها المستعمرون الأوائل، مرورًا بفلاسفة القرن الثامن عشر الذين أدركوا طبيعة الفعل الاستعماري، وصولًا إلى ما بعد الثورة الفرنسية، حين تحول الاستعمار إلى ممارسة واعية ذات مؤسسات وتنظيمات قائمة بذاتها.
واختُتمت الأمسية بحوار مفتوح مع الحضور حول أثر القراءة في تشكيل الوعي الفردي والجمعي، ودور الكتاب في بناء تجربة المثقف الليبي في سياق ثقافي وإنساني متصل بالعالم.
