مقالات الرأي

على حافة الحرب!

بقلم/ مصطفى الزائدي

يقول الرئيس الأمريكي إنه أوقف سبع حروب، ويزعم أنه يستحق جائزة نوبل للسلام! لكن السؤال الجوهري الذي يُطرح هنا هو: ماذا يعني اندلاع سبع حروب إقليمية في عالم يُفترض أنه تجاوز منطق الحروب بعد الحرب العالمية الثانية، بفعل توازن الرعب النووي وادعاء التقدم الإنساني نحو سلام دائم؟

واقع الحال يثبت عكس هذه الادعاءات. فالإدارة الأمريكية، وعلى مدار العقود الماضية، لم تتوقف عن إشعال الحرائق في كل مكان من هذا العالم، سواء عبر تدخلات عسكرية مباشرة، أم عبر دعم أنظمة قمعية، أو تمويل جماعات مسلحة تخدم مصالحها الاستراتيجية. وإذا كانت بعض هذه الحروب قد “توقفت” على الورق، فإن جذوتها ما زالت مشتعلة، وتداعياتها باقية، وشعوبها تنزف حتى اليوم.

يكفي أن نستعرض خارطة التوترات الراهنة لنُدرك أن العالم بات أقرب من أي وقت مضى إلى حافة حرب كبرى قد لا تترك خلفها مجالًا للبقاء أو التدارك. فالحرب في أوكرانيا، التي اشتعلت بتحريض وترتيب أمريكي أوروبي، تُهدد اليوم بالاتساع لتشمل أوروبا بأكملها. مؤشرات التصعيد تتزايد، وشروط الانفجار تكتمل بسرعة، خاصة مع صمت المجتمع الدولي، وتواطؤ حلف “الناتو” في تصعيد الموقف، بدل احتوائه.

السبب الجوهري في هذا المسار الخطير هو السياسة الأمريكية التي لا تزال تصرّ على الاحتفاظ بموقع الهيمنة على العالم، مهما كلّف الأمر من دماء وخراب. أما السبب الآخر، فهو التقدير الخاطئ من قبل قادة الكيان الصهيوني للواقع الدولي، حيث يرون في الفوضى فرصة ذهبية لتوسيع مشروعهم الاستيطاني، وتحقيق حلم “إسرائيل الكبرى” عبر القضاء على كافة أشكال المقاومة، وتصفية ما تبقى من قضية فلسطين، مستغلين بذلك حالة الانقسام والتراجع العربي، والانشغال الإسلامي بقضايا داخلية مزمنة.

ولذلك، ليس مستبعدًا أن نشهد في قادم الأيام عدوانًا صهيونيا أمريكيا جديدًا على إيران، يترافق مع تصعيد واسع النطاق في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وقد يمتد ليشمل مصر، عبر محاولات لكسر شوكة الجيش المصري، باعتباره القوة العسكرية النظامية الوحيدة المتماسكة المتبقية في الإقليم.

وفي الكاريبي، تلوح في الأفق حرب أخرى، إذ تمارس الولايات المتحدة أقصى درجات الاستفزاز ضد فنزويلا والدول التقدمية في أمريكا اللاتينية. وإن حدث العدوان، فمن المرجح أن يشمل كولومبيا – التي بدأت في الانفكاك عن الهيمنة الأمريكية – والبرازيل وكوبا ونيكاراغوا وتشيلي، ليُعاد تحويل أمريكا الجنوبية إلى “جمهوريات موز” تُستغل كحديقة خلفية للبيت الأبيض.

أما في شبه القارة الهندية، فالوضع لا يقل خطورة، إذ إن أصابع الهند وباكستان لا تزال على الزناد، والتحريض الصهيوني المستمر للهند ضد باكستان يهدف بالأساس إلى القضاء على القوة النووية الباكستانية، التي ينظر إليها البعض كسلاح ردع إسلامي محتمل، قادر على فرض نوع من التوازن في وجه التغوّل الصهيوني على المستوى الإقليمي.

وفي الشرق الأقصى، تبقى الأزمة الكورية على حالها، في ظل تعقيد العلاقات بين بيونغ يانغ وسيول، أما ملف تايوان، فهو مرشّح للتحوّل إلى نزاع مسلّح في أي لحظة، لا سيما مع التصعيد الأمريكي المستمر تجاه الصين، والوجود العسكري المتزايد في بحر الصين الجنوبي.

وفي القوقاز، يتوسع العبث الصهيوني في أذربيجان وجورجيا وبعض دول آسيا الوسطى، ما يُنذر بإمكانية اندلاع صراع مسلّح واسع النطاق في أي لحظة، خاصة مع الانخراط التركي الأمريكي الصهيوني في هذه المنطقة الحساسة.

إن ما يبعث على بعض الأمل، هو وعي شعوب العالم بخطورة ما يجري، فقد بدأت التحركات الشعبية تتصاعد في مختلف دول العالم، رفضًا للسياسات الأمريكية الصهيونية التي تعبث بمصير البشرية، وما نشهده من انتفاضات متواصلة في أمريكاوأوروبا ضد سياسات حكوماتها ومن غضب شعبي عالمي ضد المجازر وحرب الإبادة التي يرتكبها الكيان في غزة ليس إلا تعبيرًا عن خوف حقيقي من أن تتحول غزة إلى مرآة لما يمكن أن يعيشه العالم بأسره إذا ما استمر هذا الجنون.

إن تولي شخصية غير متزنة إدارة الولايات المتحدة – شخصية تُستغل من قبل قوى التطرف في الكيان الصهيوني – يزيد من احتمالات اندلاع الحرب، خاصة في ظل السياسات الاقتصادية المتطرفة، والمواقف العنصرية، والتراجع المخيف في مواقف واشنطن من قضايا البيئة وحقوق الإنسان.

يزداد الخطر أيضًا بسبب ضعف القيادة الأوروبية، حيث تحوّلت أوروبا إلى تابع للسياسات الأمريكية، وفقدت قدرتها على لعب دور متوازن في المعسكر الغربي، بخلاف ما كنا نشهده خلال الحرب الباردة، وكذلك صعف القيادة في دول العالم الثالث بعد تمكن الغرب من تنصيب حكومات تابعة له وتراجع قوة الحركات التحررية، ففقدت الشعوب أدواتها في التأثير، ما أضعف قدرة هذه الدول على كبح جماح الدول الكبرى، كما كانت تفعل سابقًا في إطار حركة عدم الانحياز.

الحرب القادمة – إن اندلعت – ستكون مختلفة كليًا عن الحربين العالميتين السابقتين. فخرائط التحالفات ستتغير، ومناطق الاشتباك ستتوسع لتشمل أمريكا اللاتينية وأفريقيا بكاملها، وليس فقط شمالها، كما كان الحال في السابق.

وللأسف، وكما جرت العادة، فإن العرب والمسلمين سيكونون الخاسر الأكبر، في حال تم استخدام الأسلحة التقليدية فقط، أما إذا جرى استخدام الأسلحة النووية أو البيولوجية، فإن الكارثة ستكون بحجم لا يمكن تصوره، وستكون نهاية لعالم لم يتعلم شيئًا من دروس تاريخه الكارثي.

زر الذهاب إلى الأعلى