الإعلام بين مظلة الدولة وسوق الابتذال

بقلم/ عفاف الفرجاني
من أخطر ما يواجه المشهد الإعلامي في عالمنا العربي اليوم هو تسليم زمام المهرجانات والمؤتمرات الإعلاميةإلى شركات خاصة لا تملك من أدوات المهنة سوى براعة في التلميع السطحي، ولا تفهم من الإعلامإلا كونه سلعة استهلاكية أو واجهة دعائية،إنالإعلام رسالة ووعي ومسؤولية، وحين يختزل في مناسبات تنظمها مؤسسات غير متخصصة يتحول الصحافي والإعلامي الحقيقي إلى مجرد هامش في مشهد معد لخدمة أغراض تجارية عابرة.
المؤتمرات الإعلامية ليست مجرد منصات دعائية أو ديكورات بروتوكولية، بل هي فضاءات لتلاقح الأفكار وإنتاج الرؤى وتثبيت معايير الخطاب العام، وحين يترك تنظيمها لأصحاب الشركات الخاصة يكون الثمن هو إقصاء الكفاءات المهنية وإضعاف القيمة الفكرية، بينما تفتح المنصات لمن لا علاقة لهم بجوهر المهنة.
وهنا تبرز الحاجة إلى وقفة جادة تستأصل هذه الظاهرة من جذورها وتستبعد ما يسمى بصناع المحتوى الهابط والبلوجرات اللاتي يستقدمن بصفة معلنات لتصدر المشهد الإعلامي بلا أي استحقاق معرفي أو مهني.إن حضور هذه الفئة داخل المؤتمرات يعد امتهانا لمقام الصحافة واستخفافًا بجدية الحوار الإعلامي، وتحويلًا للحدث من منبر وطني رسالي إلى ساحة استعراض فارغ،إنهم يطفئون نور الكلمة الرصينة بوهج الاصطناع ويشوهون صورة الإعلامأمام الرأي العام.
لقد أثبتت التجربة أن المؤتمرات الناجحة هي تلك التي انعقدت تحت رعاية وزارات الإعلامأو بإشراف نقابات الصحافيين حيث الإطار المؤسسي يحمي المعايير ويصون قيمة النقاش، ولنا شواهد حية في تجارب عربية رصينة خرجت منها توصيات محكمة وسياسات إعلامية مؤثرة، لأن أصحاب الاختصاص كانوا في الصدارة.
أما حين تولت شركات العلاقات العامة زمام المبادرة فقد جاءت النتيجة مسوخًا إعلامية لا وزن لها، مؤتمرات تنفق عليها الأموال الطائلة ثم تنتهي إلى مجرد ضوضاء عابرة تحضرها وجوه طارئة تستأجر لصناعة صخب على المنصات الرقمية بينما يغيب عنها العمق والجدية ويخرج منها الصحافي المحترف مثقلا بالخذلان.
إن إيكال الإعلامإلى غير أهله ليس مجرد خطأ إداري، بل هو فعل يقوض هيبة الكلمة ويعري المؤسسات أمام جمهورها، فالمؤتمرات الإعلامية ليست مشروعات خاصة ولا عقودا تجارية، بل هي شأن سيادي يرتبط بصورة الوطن في الداخل والخارج.
إنقاذ المشهد الإعلامي من هذا العبث يقتضي قرارا حاسما إما أن تعود المؤتمرات إلى حاضنتها الطبيعية تحت مظلة الوزارات والهيئات المهنية أو يستمر النزيف حيث يختطف المنبر من أهله وتترك الحقيقة أسيرة الاستعراض الفارغ.
