سلامة المرضى

بقلم/ د. علي المبروك أبوقرين
سلامة المرضى هي جوهر الحق في الصحة، ورسالة إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون مسؤولية مهنية أو إدارية. ويحيي العالم في 17 سبتمبر من كل عام اليوم العالمي لسلامة المرضى، دعوةً لتجنب الأخطاء الطبية والضرر المادي أو المعنوي أو النفسي.
لكن سلامة المرضى لا تُختزل في غرفة العمليات أو في قرار الطبيب، بل هي منظومة متكاملة تشمل المبنى، والتجهيز، والدواء، والكوادر، والإدارة، والقوانين، والبيئة الآمنة. فهي تبدأ من مبانٍ صحية مطابقة لشروط التخطيط والعمران، ومواد آمنة في كل مكونات المنشأة، وإضاءة وتهوية ومساحات مريحة، وممرات وغرف انتظار آمنة، إضافة إلى قدرة المباني على مقاومة الحرائق والكوارث، والتخلص الصحي من النفايات الطبية، مع بدائل للطوارئ من كهرباء ومياه وغازات طبية.
كما تشمل التجهيزات الطبية الحديثة الدقيقة النتائج، وبروتوكولات التشغيل والصيانة، وحماية بيانات المريض، وسلامة الدواء عبر التحقق من مصدره وجودته وفعاليته في جميع مراحل التداول (استيراد، تخزين، صرف، إعطاء). ويواكب ذلك تتبع رقمي لمنع الغش والتزوير، وتدريب مستمر للكوادر الطبية والصيدلانية على الاستخدام الرشيد للأدوية، ومنع الدعايات الوهمية والضغوط التجارية في المجال الصحي.
أما الكوادر الطبية والفنية فهي حجر الأساس، ويتطلب الأمر تعليمًا وتدريبًا مستمرًا، ومصداقية في التأهيل الأكاديمي والعملي، والتحقق من الشهادات والاعتمادات العلمية، مع مراجعة دورية لتراخيص مزاولة المهنة، والابتعاد عن الإعلانات التجارية الكاذبة. كما يجب أن تلتزم الإدارة الصحية بتطبيق معايير الجودة ومكافحة العدوى وسلامة المرضى، مع تدقيق علمي دوري لملفات المرضى، ورصد الأخطاء الطبية، وقياس الأداء بالنتائج لا بالوعود، وإشراك المريض وعائلته في التقييم والمساءلة.
سلامة المريض ليست مجرد إجراءات، بل هي بعد إنساني وأخلاقي، لأن المرض تجربة قاسية، والألم يمسّ الكرامة الإنسانية. إن غياب العلاج أو رداءة الخدمة لا يضر بالصحة فقط، بل يهدر الكبرياء. لذلك فإن سلامة المرضى انعكاس لعدالة الدولة وشفافيتها وحكمتها، ولإنصاف النظام الصحي وقوته.
سلامة المرضى ليست شعارًا، بل التزام يومي، ومرآة حقيقية لقوة الدولة ونزاهتها. فسلامة المباني تحفظ الأرواح، وسلامة الدواء تحمي الأجساد، وسلامة الكوادر ترسخ الثقة، وسلامة الإدارة تحقق العدالة.
إن سلامة المرضى مسؤولية دولة ومجتمع، وأمانة في أعناق الجميع، وميزان للكرامة الإنسانية والعدالة الصحية. والاحتفال باليوم العالمي لسلامة المرضى ليس مجرد مناسبة، بل تذكير بأن المستشفى الآمن يحفظ الحياة، ويصون الكرامة، ويزرع الثقة في النظام الصحي.
