مقالات الرأي

الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق.. المداخلة الأولى: في اللاهوت 9 

بقلم/ مهدي امبيرش

ونحن نواصل الحديث عن اللاهوت (theology) الذي ذكرنا فيه التصور القديم أن الكون ثنائية بين السماء والأرض، حيث بدأت هذه الفكرة عند الهنود والإيرانيين، حيث في الهند ولمصلحة الغزاة الذين زحفوا من الشمال واحتلوا أرض السكان الأصليين ووضعوهم في طبقة النجس على أساس أن الغزاة هم الأطهار، وأن إلههم هو فشنو إله الخير والسلام والمحبة، وأن إله السكان الأصليين، هو شيفا إله الظلام والشر والكراهية، وبناءً على هذه الثنائية يصير من حق الغزاة أن يسحقوا السكان الأصليين، أو على الأقل يجعلوهم عبيدًا وخدمًا. 

وفي إيران يتم استعارة هذه الفكرة، ولمصلحة الغزاة الزاحفين من شمال هضبة الهند ومن قم يجعلون إلههم هو آهورا مزدا، إله النور والمحبة والخير مقابل أهرمن، إله الشر والظلام، ولكن يبدو انهم فشلوا في السيطرة التامة وإخضاع السكان الأصليين فاخترعوا زروان على أساس أن آهورا مزدا وأهرمن كانا في بطنه، وكان المفترض أن يولد اهورا مزدا أولا، ولكن أهرمن شق بطن أبيه وخرج أولا، ولأنه يمثل الشر كان لزامًا أن يتم الصراع بين اهورا مزدا إله الخير وأهرمن إله الشر، وفي النهاية سيهزم الشر وينتصر الخير. 

هذه الثنائية والصراع بين الضدين كانت ولا تزال تقود الكثير من الأسس التي بررت الصراع وأنها أنتجت هذه الثنائيات كلها، كالتي نقرؤها اليوم في ثنائية الغرب والشرق وبنفس الخطاب اللاهوتي القديم سيقدم الغرب على أنه إله الخير والنور والعلم والتقدم، ويقدم الشرق على أنه الظلام والجهل والتخلف، كما تبرز الثنائية (dualism) في ثنائية الشمال والجنوب. 

إن البحث عن المنطق التركيبي الذي يجمع الضدين كما في الأسطورة الهندية من خلال البراهما الذي يجمع بين شيفا وفشنو وزروان الذي يجمع اهورا مزدا وأهرمن إلا أن هذا ما كان لينهي الصراع، فكان لا بد من فصل المتناقضين كما في الأسطورة اليونانية التي أشرنا إليها في أن زيوس أو ثيوس، رب الأرباب سكنه في السماء ومعه أرباب يساعدونه في حكم الكون ولهم مجلس (pantheon) يجتمع فيه الأرباب برئاسة زيوس وبمثابة الحكومة الرئاسية والوزراء. تبقى هنا مشكلة الفراغ الذي يجب أن يكون دوره في إبقاء الفصل بين عالم آلهة وعالم البشر أي الحكام والمحكومين، أو السادة والعبيد أو العالم المقدس والعالم الملوث، ولأن زيوس المجرد من المادة والسكان يتحدث لغة رمزية مجردة وأن البشر يتحدثون لغة حية ومتحركة حيث يعيشون في عالم الطبيعة، بل هم جزء من الطبيعة، فكان لزامًا أن يتم اختراع الوسيط الذي هو بمثابة نصف الإله نصفه العلوي إلهي ونصفه السفلي بشري، وأعطوه اسم هرمس المثلث بالحكمة ومن اسم هرمس يستخدم اليوم مصطلح الهرمنيوطيقا (hermeneutics) ولا يزال هذا الاسم يستخدم في القاموس الأوربي اليوم ليطلق على عملية التأويل، ويحمل نفس المضمون السابق على أساس أن لغة الإله الأول تحتاج إلى من ينقلها بلغة الناس.

والمعروف أنه حتى في ميراث المسلمين ونتاج الصراع على السلطة قدم القرآن الكريم على أن فيه نصوصًا غامضة وأن هناك مختصين يعرفون قصد الله ليفسروه ويشرحوه للناس، وهم يدعون كذلك أنهم وحدهم القادرون على معرفة قصد الأول وهو الله تعالى، ويحاولون بكل وسيلة إقناع الناس أن لغة القرآن لغة صعبة وأنها لا يفهمها إلا القلة ومن ثم يقرؤون الآية 7 من سورة آل عمران، التي يقول الحق فيها “وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ”، حيث يقدمون (الواو) في جملة والراسخون على أنها واو عطف أي أنهم يريدون أن يقولوا إنهم بعد الله المكلفون بالتأويل والتفسير والشرح، في حين أن الواو هي واو استئناف وجملة، والراسخون في العلم يقولون جملة جديدة الراسخون مبتدأ ويقولون خبر. 

ولقد ذكرنا في مداخلة سابقة بناءً على بعض المصادر، أن فكرة هرمس والتأويل أخذها اليونانيون عن الأسطورة المصرية التي تجعل من آمون الإله ومن تحوت الذي يقوم بدور التأويل أو نقل كلام آمون المقدس إلى الناس. على أن الهرمنيوطيقا لا تزال إلى اليوم بل وتحمل نفس المضمون في تناول الوصول إلى شرح مفاهيم النصوص، وهي التي سوف نتناولها في الدراسة عند المقارنة بين المدرسة المثالية الألمانية التي تبنت التأويلية، في مقابل المدرسة الوضعانية الفرنسية، ومرة أخرى سنجد هذه الثنائية هي استعادة لنفس الخرافة القديمة مرورًا بأطروحة أفلاطون التي تقول بالأرستوقراطية التي يمثل الأرستوقراطيون المقدسون والطاهرون أو أولئك الذين خلقوا من معدن الذهب، وسوف نكشف في المداخلة القادمة أبعاد هذه الثنائية والصراع بين المدرسة المثالية اليونانية التي يمثلها سقراط وأفلاطون والمدرسة الطبيعية التي يمثلها الإغريق الذين عاشوا في آسيا الصغرى، والذين برزت من خلال معارضتهم لمدرسة أثينا اليونانية أن ظهرت المدرسة الأيونية، وفي المقابل المدرسة الأيلية، وهذه كلها بلغة أو بغيرها ما وجدناه سواءً في الخلاف الذي تم بين الأشاعرة والمعتزلة في ما عرف بالمدارس الكلامية عند المسلمين، كما ظهرت زمن الإمبراطورية الرومانية واللاهوت في الخلاف بين أوغستين وتوما الأكويني، وتظهر اليوم بوضوح في الخلاف بين المدرسة التاريخانية الإيطالية الألمانية، والمدرسة الوضعية المنطقية الفرنسية التي تستند إلى الميراث العبراني اليهودي في نزعته المادية وكذلك تأثير العبرانيين في المدرسة التجريبية الأنجلوأمريكية.

زر الذهاب إلى الأعلى