مقالات الرأي

جولنة المنطقة!!

بقلم/ مصطفى الزائدي

في لحظات قليلة، تحوّل المدعو محمد الجولاني من إرهابي مجرم مطلوب دوليًا، قائد جبهة النصرة الإرهابية وزعيم هيئة تحرير الشام الإرهابية، إلى شخص نقيض اسمه أحمد الشرع، رئيس “الجمهورية العربية السورية”، يتصرف تمامًا وكأنه وُلد وعاش في القصر الجمهوري وكان رئيسًا منذ عقود!

السؤال: هل حدث ذلك مصادفةً أم كان تطورًا عاديًا للأحداث في سوريا، أم أنه حلقة من مخطط “الشرق الأوسط الجديد” الذي يُنفّذ في وطننا العربي، لتكون “إسرائيل” دولة مسيطرة وحاكمة فعليًا في المنطقة؟ وهل الأمر محصور بسوريا فقط، أم أنه آلية جديدة للتعامل مع الحكم في كامل المنطقة؟

منذ أن ظهرت فكرة مشروع الشرق الأوسط الجديد التي قدّمها الإرهابي شمعون بيريز في تسعينيات القرن الماضي، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وتمكّن الغرب بقيادة الولايات المتحدة من فرض سلطة القطب الواحد على العالم، بدأت الترتيبات لإعادة تخطيط الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحيث يتمكن الكيان الصهيوني من ترسيخ دولته المصطنعة في المنطقة.

جوهر مشروع الشرق الأوسط الجديد هو:

  • تقوية الكيان عسكريًا واقتصاديًا وعلميًا.
  • زيادة عدد سكانه من اليهود وتقليل عدد سكانه من العرب.
  • السيطرة الاقتصادية عبر التحكم في رأس المال والتجارة والموارد واحتكار تكنولوجيا المعلومات.
  • تدمير التعليم في الدول العربية وإشغالها بتنمية شكلية واقتصاديات هامشية قائمة على التفاهة، بعيدًا عن مقومات الاقتصاد الأساسية (الصناعة والزراعة والتكنولوجيا).
  • إنهاك جيوش الدول العربية المحيطة باحترابات داخلية، ونزع أسلحتها وتدمير اقتصادياتها التي بُنيت بعد الاستقلال الوطني.
  • نشر الغش وتزوير الشهادات، والتركيز على علوم قديمة، والعبث بالهوية وتشويه الحركات الوطنية.
  • التسويق للجماعات المرتبطة بالغرب والداعية إلى “التعايش والتطبيع”.

ثم جاءت أطروحة الفوضى الخلّاقة، كبرنامج تنفيذي لمشروع الشرق الأوسط الكبير، التي أعلنتها كونداليزا رايس. وُضعت لإضرام الفتن وخلق فوضى عارمة في الوطن العربي تحت شعارات “تغيير الأنظمة الدكتاتورية”، ورفعت لافتات “تحرير العراق”، و”تحرير ليبيا”، و”تحرير سوريا”.

ظهرت قنوات “الحرة” الأمريكية، وهي نسخة مكررة من إذاعة “أوروبا الحرة” التي استُخدمت لإسقاط المنظومة الشرقية.

وتوِّجت هذه المراحل بما سُمّي زورًا “الربيع العربي”، الذي رُصدت مليارات الدولارات لتنفيذه، كما أكد وزير خارجية قطر السابق حمد بن جاسم في حديثه عن الأموال المصروفة على ما سمّاه “الثورة السورية”.

الهدف كان تدمير المجتمع العربي بوسائل شتى، منها:

  • خلق صراعات مستدامة لتقسيم المُقسّم وتجزئة المُجزأ.
  • دعم الفتنة الدينية بصناعة منظمات تتاجر بالدين وتكفّر المسلمين، مثل: الإخوان المسلمين، القاعدة، داعش، أنصار الشريعة، هيئة تحرير الشام، الجماعة الليبية المقاتلة.. إلخ.
  • هذه الجماعات، بدعم غربي، صنعت الرعب، وذُبح الرجال في الشوارع، وقُطعت الرؤوس، وصُلبت النساء والأطفال كما حدث في درنة وسرت.
  • ثم ظهر الغرب بمظهر “المنقذ” محاربًا وحوشًا صنعها هو نفسه، ليُنهي مهمتها ويستبدلها بغيرها.

أما الجانب الآخر من الفوضى الخلاقة فكان تتفيه السلطة، بحيث تصل شخصيات كرتونية هزلية إلى الحكم في المناطق التي ضربها “الربيع العربي”.

كما ركّزت الخطة على نشر الفساد المالي والسياسي، وتشجيع تجارة المخدرات والبشر والسلاح، حتى تحوّلت المنطقة إلى ما يشبه “إجرامًا منظمًا”.

هذا الوضع المأساوي قد يدفع الناس إلى المطالبة ـ دون وعي ـ بالتدخل من الدول المسببة له، وهناك يظهر الإسرائيلي كمنقذ!

أحد النماذج الواقعية كان في كردستان العراق، التي تحولت إلى شبه دويلة مستقلة برعاية ودعم كاملين من الكيان الصهيوني، وصارت قاعدة متقدمة لمواجهة إيران وزعزعة استقرار العراق والمنطقة.

واليوم يُرتّب للخطوة التالية، وهي إقامة دويلة للدروز في السويداء وجبل العرب، تدور في فلك “إسرائيل”، كوسادة تأمين جنوبية للكيان.

قد يستغرب البعض هذا الكلام أو ينكره، لكني أرى أن لبنان، والعراق، وسوريا، وليبيا، والسعودية تسير في هذا الاتجاه بخطى متسارعة.

وعندما يخرج مجرم الحرب نتنياهو ليعلن “خارطة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات”، فهو لا يمزح، بل ينفذ خطته في الوقت المناسب.

لنتمعن في حالة “الجولاني”، الذي خرج فجأة من زعيم إرهابي دولي إلى رئيس “جمهورية”، يتصرف كرئيس محترف منذ اللحظة الأولى، وكأنه كان مُعدًا لذلك الدور منذ سنوات!

تواصل معه العالم: أمريكا، وروسيا، والصين، والهند، والخليج، وكأنهم يتعاملون مع رئيس جاء شرعيًا! بينما هو في الحقيقة لم يصل إلى دمشق إلا بدعم تركي– أمريكي–صهيوني، ومعه مسلحون أجانب صاروا نواة الجيش السوري الجديد.

في تقديري، أحمد الشرع هو المكلّف بتطبيق المرحلة الثالثة من الفوضى الخلاقة:

  • استحداث دويلات صغيرة لا تبقى إلا بحماية “إسرائيل”.
  • بدءًا من السويداء والجنوب السوري، ثم الساحل، ليتحوّل لاحقًا إلى “دويلة” تستجدي عون الكيان.
  • ولهذا السبب جرى تدمير سلاح الجيش السوري وتحويل الجنوب إلى منطقة منزوعة السلاح.

على هذا القياس، علينا في ليبيا أن نضع هذا المخطط نصب أعيننا: فـتأخير الانتخابات، ومسلسل الحوارات العبثية، والصراع المسلح المستمر، ليست إلا تمهيدًا لظهور “جولاني ليبي جديد”.

لقد نفض الغرب يده من الإخوان والجماعات الإسلامية التي حاول استخدامها، بعدما فشلت في السيطرة على المدى الطويل وتعارضت برامجها مع المشروع الاستعماري العام.

لذلك اتجه إلى أسلوب جديد يمكن أن نسمّيه: جولنة المنطقة.

والتخوف الأكبر أن تكون مصر، والجزائر، والسعودية هي المحطات التالية التي يُعمل سرًا على “جولنتها”، رغم ادّعاء حكوماتها الصداقة مع الغرب!

رسالتي الى القوى السياسية الليبية وخاصة شركاءنا في الوطن من التيارات الدينية أن ينظروا في هذا الأمر بموضوعية وبعيدا عن الشخصنة وقبل فوات الأوان!

تقسيم ليبيا ليس في مصلحة أي ليبي، بل مشروع معد لخدمة هيمنة الصهاينة وسيطرتهم

زر الذهاب إلى الأعلى