الربيع العربي وتدمير المجتمعات

بقلم/ فراس الحجازي
لم يكن الربيع العربي حدثًا سياسيًا فحسب، بل مدخلًا لعملية تفكيك اجتماعي منظّم مهّد لتبدّل خرائط النفوذ؛ ما يشبه سايكس-بيكو جديدة تُدار بالأدوات الناعمة والخشنة معًا.
أدوات التفكيك الأساسية:
الإعلام والدعاية، إضعاف الهوية المشتركة، الاقتصاد والفساد، التعليم والثقافة، التقسيم الطائفي/ القبلي/ العرقي، إضعاف مؤسسات الدولة، نشر الانحراف الاجتماعي، الهيمنة لتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، استراتيجية “فرّق تسد”.
ليبيا
ما نُفِّذ:
تفتيت الانتماء بين شرق/ غرب/ جنوب، وصعود الولاءات القبلية.
إضعاف الدولة عبر ازدواجية السلطة وميليشيات مسلّحة.
اقتصاد ريعي مختنق بالصراع على النفط والفساد.
حرب سرديات وإشاعات على وسائل التواصل الاجتماعي تُغذّي الاستقطاب.
قيد التنفيذ:
صراع على السردية الوطنية في المناهج والإعلام.
تمدّد الجريمة المنظمة والمخدرات كأثر للحرب لا كواقع شامل بعد.
الخلاصة: ليبيا هي المسرح الأوضح لتجربة تفكيك تمهّد لتقاسم نفوذ وممرّات طاقة —ملمح من خرائط ما بعد الدولة.
مصر
ما نُفِّذ:
ضغوط الدَّين والتفاوت الطبقي رسّخت ثنائية “إيچبت” المترفة مقابل “مصر الشعبية”.
إعلام موجّه خفّف حدّة الصدام لكنه أبقى الاستقطاب كامنًا.
تمدّد التعليم الخاص والأجنبي عزّز الفجوة الثقافية.
قيد التنفيذ:
إعادة تعريف الهوية الجامعة بين نمط كوزموبوليتاني ونمط محلي.
استقطاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي يُضخَّم الفوارق القيمية.
تفكيك ناعم يقوم على الفرز الطبقي لا الجغرافي.
الخلاصة: التفكيك هنا ناعم: لا حرب أهلية، لكن شروخ ثقافية/ طبقية تُبقي المجتمع مزدوج الهوية، ما يسهّل مواءمته مع ترتيبات إقليمية دون تفكيك حدودي مباشر.
سوريا
ما نُفِّذ:
انقسام طائفي وعرقي عميق وحروب وكالة.
تهشيم الدولة وتعدّد سلطات الأمر الواقع.
اقتصاد حرب وتهجير واسع يقلب الميزان الديمغرافي.
ماكينة دعاية متقابلة محلية وخارجية تؤبّد الشقاق.
قيد التنفيذ:
سرديات متباينة للتاريخ والهوية في مناطق النفوذ المختلفة.
ترسيم مناطق أمنية/ سياسية بحكم الأمر الواقع — بذور تقسيم وظيفي.
الخلاصة: الحالة الأكثر اكتمالًا للتفكيك؛ خرائط النفوذ الراهنة تشي بتجزئة طويلة الأمد حتى دون اعتراف قانوني.
نحو “سايكس-بيكو” جديدة
المحصّلة عبر الدول الثلاث: تفكيك أخلاقي واجتماعي يجعل المجتمع قابلًا لإعادة الترتيب الجغرافي/ السياسي وفق مصالح قوى إقليمية ودولية (ممرات طاقة، أمن حدود، مناطق عازلة). ما تحقّق: شروخ هوياتية، تآكل مؤسسات، واستقطاب دائم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وما يجري تنفيذه: تثبيت خرائط نفوذ عبر تعليم وإعلام واقتصاد مُوجَّه يخلق واقعًا تقسيميًا فعليًا دون الحاجة إلى معاهدات علنية.
البديل الوحيد لوقف المسار: عقد اجتماعي جديد يُعيد بناء الهوية الجامعة، يُصلح التعليم والإعلام، يُحارب الفساد، ويُعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، وإلا ستتحوّل الشقوق الاجتماعية إلى حدود سياسية دائمة.
