التحديث العسكري مدخل أساسي لاستعادة الدولة وسيادتها

بقلم/ ناصر سعيد
منذ سقوط الدولة الليبية في أتون الفوضى عام 2011، ظل السؤال الأكبر الذي يطارد الليبيين: كيف يمكن استعادة الدولة؟ وبعد عقدٍ ونصف من الانقسامات، والصراعات، والتجاذبات الداخلية والخارجية، يثبت الواقع أن الإجابة تكمن في وجود مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، قادرة على فرض القانون وحماية السيادة، وضامنة لمسار سياسي آمن يتيح للشعب تقرير مصيره بعيدًا عن فوضى الميليشيات وضغوط التدخلات الأجنبية.
في خضمّ العواصف التي هبّت على المنطقة العربية، وتحديدًا في الدول التي تعرضت لزلزال ما سُمي “الربيع العربي”، برز درس أساسي لا يمكن تجاهله: لا خلاص للوطن، ولا استقرار له، ولا استعادة لمؤسساته من براثن الفوضى والفساد، دون وجود قوة عسكرية وطنية راسخة ومطوّرة. إنها الحائط الصلب الذي يجب أن يُعتمد عليه لوقف حالة العبث، ودرع السيادة الذي يحمي عملية إعادة البناء السياسي من تدخلات ومطامع الخارج.
إن الحديث عن إصلاح القطاع العسكري وتحديثه ليس ترفًا، بل هو ضرورة وجودية، فالدولة بمفهومها الحديث لا تقوم إلا باحتكارها الشرعي للقوة، ممثلًا في جيشٍ ومؤسسة أمنية وطنية محترفة، تخضع لقيادة واحدة وتمثل كل مكونات الشعب، هذه المؤسسة هي الضامن الوحيد لخلق بيئة آمنة ومستقرة، تتيح للشعب، بحرية وإرادة كاملة، أن يختار سلطته الوطنية الشرعية التي تتحمل المسؤولية أمامه، بعيدًا عن الوصاية الأجنبية أو الإملاءات الخارجية.
إن محاولات تقويض الجيوش العربية لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت هدفًا استراتيجيًا واضحًا في الفوضى الخلاقة التي اجتاحت المنطقة، فما تسرب من بنود الاتفاق بين الكيان الصهيوني وتنظيم “هيئة تحرير الشام” (الجولاني) في سوريا، والذي يتضمن تعهدًا صريحًا بعدم إعادة بناء الجيش العربي السوري، هو دليل ساطع على هذه السياسة. وهو يستحضر إلى الأذهان مباشرة “قرار بريمر” المشؤوم في العراق، الذي حل الجيش العراقي وأسقط دولته في لحظة، ما فتح الباب أمام فوضى طائفية واحتلال مزدوج لم يُغلق حتى اليوم. وكذلك الحال في ليبيا، حيث لا تزال المحاولات جارية لعرقلة أي جهد يهدف إلى إعادة توحيد المؤسسة العسكرية وتقويتها، عبر تشكيك ممنهج في دورها وولائها.
هذه النماذج ليست منفصلة، بل هي حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى إبقاء الجسم العربي مشلولًا، ضعيفًا، عاجزًا عن حماية نفسه أو تقرير مصيره. إنها حرب على السيادة بمعناها الجوهري.
لذلك، فإن دعم الجهود التي تبذلها القوات المسلحة لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، وتطوير قدراتها، وتحديث ترسانتها وأفكارها، هو استثمار في المستقبل، إنه ليس مجرد إنفاق على الدفاع، بل هو إنفاق على بناء الدولة ومؤسساتها، التحديث العسكري ليس مجرد تحديث للسلاح، بل هو تحديث للفكر الاستراتيجي، وإعادة صياغة لعلاقة الجيش بالمجتمع، وتحصين لمفهوم الدولة في مواجهة كل محاولات التفكيك والتبعية.
فالجيش الوطني المحترف هو الحامي للمناخ السياسي، يضمن أن تكون التنافسات والتفاعلات السياسية والاجتماعية سلمية، ويحول دون تحول الخلافات إلى صراعات مسلحة تلتهم الجميع، هو الضمانة لأن تكون الكلمة العليا للشعب على أرضه، لا للميليشيات أو العصابات المسلحة أو الوكلاء الأجانب.
إن الطريق إلى الدولة المستقرة والمواطنة الكاملة يمر حتمًا عبر ثكنات الجندي الوطني، وإن إعادة بناء الجيش ليست خيارًا عسكريًا فحسب، بل هي مشروع وطني شامل يستعيد فيه الوطن أنفاسه، ويسترد فيه الشعب سيادته على أرضه ومصيره، إنه الشرط الأول لأي نهضة حقيقية، والرد الوحيد الفعال على كل محاولات الهدم والتمزيق.
