مقالات الرأي

دور قاضي الإلغاء في الرقابة القضائية على أعمال الإدارة

غادة الصيد

يعد قاضي الإلغاء حجر الزاوية في منظومة الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، إذ يضطلع بمهمة شديدة الحساسية تتمثل في تحقيق التوازن بين مبدأ المشروعية الذي يوجب على الإدارة احترام القانون، ومبدأ الأمان القانوني الذي يفرض استقرار الأوضاع القانونية والمراكز المكتسبة.

فالمشروعية تحتم خضوع الإدارة للقانون، بينما الأمان القانوني يمنع التقلبات المفاجئة في مراكز الأفراد، ما يخلق أحيانًا تنازعًا دقيقًا في التطبيق القضائي.

وفي هذا السياق، لا يمارس قاضي الإلغاء دوره بشكل آلي يطيح بكل عمل إداري مخالف للقانون، بل يعمل منهجًا تأويليًا متزنًا يراعي الظروف المحيطة، ودرجة عدم المشروعية، ومدى تعلقها بالنظام العام أو بمراكز الأفراد.

فقد يمتنع القاضي أحيانًا عن إلغاء القرار رغم مخالفته الصريحة للنص، إذا كان الإلغاء من شأنه أن يمس باستقرار أوضاع قانونية دامت زمنًا طويلًا دون طعن، وذلك تغليبا لمبدأ الأمان القانوني على مجرد حرفية المشروعية.

وتتجلى براعة قاضي الإلغاء في قدرته على استخدام أدوات قانونية مثل فقه الموازنة، ونظرية القرارات غير المشروعة القابلة للتسوية، ومراعاة مبدأ حسن النية، بما يحقق عدالة واقعية.

فلا تضحي بالشرعية، ولا تستهين بالأمان. فالمطلوب منه ليس فقط محاكمة القرار الإداري، بل ترجيح القيم الدستورية والمبادئ العليا، بما يكرس الثقة العامة في القانون. فقاضي الإلغاء لا يتصرف كخصم للإدارة، بل كحامٍ لمشروعية رشيدة تحفظ توازن الدولة مع حرية الفرد، وتؤمن للفعل الإداري إطارًا منضبطًا دون أن تكبله بنظرة جامدة.

زر الذهاب إلى الأعلى