(النهب والطبقية) والاختيار بين (العدالة أو الثورة أو العبودية)

بقلم/ د. محمد جبريل العرفي
ظهر الفساد مع عقود نفط بن حليم بداية الستينيات، وعطاءات عبدالله عابد وعائلة الشلحي، واستشرى مع أثرياء لوكربي وجهاز الدبيبات. تمت مواجهته بحدّة كتحقيقات تاجوراء، والتطهير1/9/1996، وإقرارات الشفافية 2003 التي حدّدت861 مشبوهًا ورد بمقال السقيفة. أصدرت محكمة الشعب أحكامها وسُجن أمناء ومدراء، لم يتم القضاء نهائيًا على الفساد، لكنه لم يُترك ليخلق طبقية.
بعد عام 2011، بدأ تخريب ونهب وتهريب المنشآت الاقتصادية والمشاريع الجارية، إلى أن تصحرت ليبيا، فبدأ النهب بقوة السلاح واستغلال النفوذ، ليتحوّل الليبيون إلى طبقة مسحوقة فقيرة، وأخرى طفيلية سمت نفسها “رجال أعمال”، بينما حقيقتها عصابات للإثراء بطرق غير مشروعة. فالذين يستحقون لقب “رجال الأعمال” هم أولئك الذين يبنون ثرواتهم من الصناعة أو الزراعة أو الخدمات أو البحث العلمي أو براءات الاختراع، أي من خلال الإنتاج الحقيقي، لا من خلال التهريب أو الاتجار بالبشر والمخدرات أو الابتزاز أو الخطف أو الارتشاء أو استغلال النفوذ أو الاعتمادات الوهمية أو العطاءات المزورة.
استطاع هؤلاء تدجين بعض أدوات إنفاذ القانون بالتطميع أو الترويع، فتحوّلت الجريمة الاقتصادية إلى ثقافة، ونهج سريع للثراء دون مساءلة. وأصبحت النزاهة والعدالة الاجتماعية هي الاستثناء المهمّش، حتى كاد يُنظر إلى دعاتها غرباء في وطنهم، ونشاز ببيئة فاسدة.
هذا الوضع المختل يشكل أخطارًا منها:
الخطر على السلطة
إذا أُجريت الانتخابات في هذا المناخ، فسيشكّل النهابون خطرًا على السلطة، لأنهم الأقدر على تمويل الدعاية وشراء الأصوات، ما يضمن سيطرتهم على الأجسام التشريعية. وسيتمكّنون من سنّ قوانين تخدم مصالحهم وتشكيل حكومات وأجسام سيادية تأتمر بأمرهم، فيشرعن النهب، ويُسحق الفقراء، وتُغيّب العدالة الاجتماعية، وتتحول الدولة إلى شرطي لحماية طبقة النهابين الطفيلية.
الخطر على السلم الاجتماعي
النهب يراكم الثروة فيولّد طبقية تسبب الاحتقان والغبن، فالإحباط واليأس وغياب الثقة في تصحيح الخلل، قد يفجر ثورة قد تحرق الأخضر واليابس، حيث تكفي شرارة صغيرة لإشعال حريق كبير يصعب السيطرة عليه.
تردي الخدمات التعليمية وعدم قدرة الأغلبية على تكلفة التعليم الخاص، ستؤدي إلى طبقية تعليمية، فيصبح أبناء الأغنياء مهندسين وأطباء، وأبناء الفقراء يبقون أميين أُجراء، كعمال وخفراء.
النهابون يراهنون على تطبيع المواطن مع حياة الضنك، وإقناعه بأن التفاوت الطبقي قدر إلهي، كأنهم قرأوا كتاب (لابويسي) ” العبودية المختارة” الصادر بفرنسا 1548، أو كتاب (الكواكبي) “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” الصادر بمصر 1902. لذلك نراهم يبالغون في مظاهر الترف من حفلات ومهرجانات ومزادات وسيارات فارهة ومزارع واستراحات وقصور، لإظهار الفارق الهائل بينهم وبين أغلبية الناس. شاهدنا بذر النقود على أرضيات صالات الأفراح، وسمعنا عن مزادات الأزياء، في وقت يعاني فيه المواطن من فقدان الخدمات وشح السيولة والغلاء. هذه المظاهر الاستفزازية تزيد من حدّة الاحتقان الشعبي وتعمّق الشعور بالظلم.
هذه ليست قراءة متشائمة، بل استنتاجًا تاريخيًا؛ فالثورات غالبًا ما أشعلها الظلم الطبقي، المغذي لحدة الصراعات الداخلية، وتهتك النسيج الاجتماعي، وتهديد السلم الأهلي. وما حدث في إندونيسيا الأسبوعين الماضيين درس لمن يتعظ، إذ فجّرت زيادة رواتب النواب الغضب الشعبي فحرق العاصمة.
الحلول الممكنة
• إجراءات حدّية وجدية لتطبيق التشريعات السارية: بتجريد النهابين من الأموال التي نهبوها ومحاكمتهم. فالتسويات الودية مع النهابين تعطي إشارة خاطئة للآخرين.
• ترسيخ العدالة الاجتماعية: عبر إجراءات عملية منحازة للفئات الضعيفة، كتحرير الحاجات الأساسية، وتوفير الخدمات العامة المجانية للجميع بمعايير راقية، وإيجاد فرص عمل حقيقية للشباب. فالمواطن لن يلتف حول دولة لا توفر له أبسط مقومات العيش الكريم.
• التصدي للكلبتوقراطية (حكم اللصوص): بأن تنحاز قوانين الانتخابات القادمة لذوي الدخل المحدود والطبقات الوسطى، وتمنحهم فرصة للفوز بالأغلبية، عبر شرعنة تمييز إيجابي لصالحهم يمنحهم أغلبية المقاعد، ويحدّ من تأثير المال الفاسد.
• إعادة الاعتبار لقيم النزاهة: يجب أن يُحتفى بالنزاهة والاجتهاد والإنتاج، وأن يُنبذ الفساد والفاسدون. وهذا يتطلب دورًا فاعلًا للمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في تشكيل الوعي الجمعي، إضافة إلى إرادة سياسية حقيقية لمكافحة الفساد.
• الدور الإقليمي والدولي: يجب إحداث ضغط دولي حقيقي على المتورطين في الفساد والنهب، واستعادة ما هربوه للخارج، وملاحقتهم قضائيًا، ومكافحة غسيل الأموال. كما يجب أن تتوقف الدول عن دعم الفاسدين، وأن تعمل من أجل استقرار ليبيا وحماية ثروتها ومستقبل أجيالها.
مفترق الطرق: عدالة أم ثورة أم عبودية؟
هذا الواقع المرير يضع ليبيا على مفترق طرق مصيري:
• إمّا أن تختار طريق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد ودعم المؤسسات الرقابية والقضائية لبناء مستقبل مزدهر للأجيال القادمة.
• أو أن تنحدر إلى هاوية الطبقية المقيتة والعبودية الحديثة.
• أو قد تشتعل ثورة شعبية لا يمكن السيطرة عليها أو التنبؤ بنتائجها.
كل الطرق صعبة، وتحمل تحديات كبيرة. لكن الشعوب التي تختار العدالة والنزاهة تفتح الطريق أمام أجيال قادمة لتعيش في ظل دولة عادلة ومؤسسات مستقرة يسودها القانون وتحفظ الحقوق. أما الاستسلام فيعني ببساطة اغتيال المستقبل وموت الوطن.
المسؤولية تقع على عاتق الجميع: على مؤسسات الدولة أن تستعيد دورها التوعوي، والرقابي والقضائي وأن تعمل بفاعلية لمكافحة الفساد، وعلى النخب السياسية والفكرية تجذير الوعي، وعلى المواطن أن يرفض التطبيع مع الفساد ويدافع عن حقوقه المشروعة، فالوعي الجمعي والإرادة الشعبية قادران على قلب المعادلة وتغيير الواقع المرير.
مستقبل أجيالنا يتوقف على اختيار واحد من الطرق الثلاث.
