الصحة أولًا

بقلم/ د. علي المبروك أبو قرين.
بلادنا للأسف تمر بأزمات متعددة ومعقدة، تنعكس جميعها على صحة وحياة الناس، ويهددها بشكل مباشر انهيار وانقسام النظام الصحي، وغياب البناء المؤسسي والهيكلي للقطاع الصحي، الذي ساهم في الفوضى الصحية، وانتشار الأمراض والأوبئة، وظهور الخدمات الصحية الموازية المتدنية، والأدوية والمستلزمات المغشوشة والفاسدة والمنتهية الصلاحية، والاعتماد الكلي في الحصول على الخدمات الصحية من الجيب الذي صار مفلسًا نتيجة فواتير متعددة أغلاها وأعلاها فواتير العلاج في الداخل والخارج.
وما زاد من الأعباء على كاهل المواطنين الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ولأن الصحة هي خط الدفاع الأساسي في زمن الأزمات فبالضرورة تحييد الصحة عن الاستقطاب السياسي، وجعلها توافقا وطنيا لتكون في خدمة كل الناس والمناطق والمدن والقرى بعدالة ومساواة وجودة عالية.
والآن الصحة في أمس الحاجة إلى بناء مؤسسي وهيكلي بكوادر متخصصة ومؤهلة لذلك، يسبق أو يسير بالتوازي مع تطوير الخدمات الصحية، حتى يصبح النظام الصحي متماسكا وفعالا وقائما على العدالة، والتغطية الصحية الشاملة، والصحة الواحدة والفردية، والخدمات الصحية الاستباقية والتنبؤية والوقائية والرعاية الصحية الاولية، والاستشفائية والتأهيلية، ويتميز بالرقمنة والاستعداد والاستجابة والجاهزية للتعامل مع كل الأزمات الصحية، والاقتصادية، والحروب والصراعات، والكوارث الطبيعية، بتمويل كامل من الدولة (النفط والضرائب والرسوم الموجهة على السلع الضارة التي تُغرق الأسواق وتسبب الأمراض للأسف)، وأن لا يقل عن 15% من الناتج المحلي، وأن تكون الخدمات الصحية لجميع الليبيين مكفولة بالمجان في الداخل والخارج بعدالة ومساواة وعالية الجودة، دون اللجوء إلى أنظمة تمويلية غير إنسانية أو تجارية، معززة بتشريعات وقوانين وإجراءات صارمة، تعزز الحق الأصيل في الصحة، وتفصل العام عن الخاص كليا، وتمنع وتجرم تضارب المصالح، وتؤمن الأدوية والمستلزمات الطبية الأصلية المضمونة من خلال هيئة وطنية للإمداد الطبي والشراء الموحد، مع آلية لمكافحة الفساد والاحتكار، مع ضرورة احتكار الدولة للتوريد وسلاسل الإمداد والتتبع، وتأمين المخزون الاستراتيجي، مع الرقمنة والتكويد والتسلسل الرقمي لكل صنف وخدمة، ومختبرات مرجعية متقدمة للأدوية والأغذية، وإلزام كل المرافق والمؤسسات الصحية العامة والخاصة بتطبيق معايير الجودة، ومكافحة العدوى، وسلامة المرضى، والحصول على الاعتماد والتراخيص، وإلزام الكوادر الصحية بتراخيص المزاولة، مع ضرورة الإصلاح للاختلالات والعوار الكبير الذي يعاني منه التعليم والتدريب الطبي والصحي، وتسوية الأوضاع الإدارية والمالية والقانونية للقوى العاملة الصحية، وتحسين الأجور والحوافز للعاملين بالقرى والمناطق النائية، والالتزام بالملاكات الوظيفية ومؤشرات الأداء، وتغطية النقص الحاد في الأطباء والتمريض والفنيين المؤهلين والأكفاء والتخصصات من الخارج، وتطبيق الحوكمة والرقابة والشفافية، والمتابعة والتقييم الذاتي، والمؤسسي من جهات الاختصاص والمجتمعي، مع ضرورة ربط النظام الصحي بشبكات الحماية الاجتماعية.
والصحة هي الاستثمار الحقيقي في الرأس المال البشري عماد اقتصاد الأمم وجوهر التنمية، ومن دون الصحة لا اقتصاد ولا استقرار ولا دولة، والصحة هي إستراتيجية بقاء واستمرار، وهي جسر للسلام، وضمان للعدالة، ودرع للحماية الاجتماعية، ودوما طوق النجاة في الأزمات.
لا نظام صحي بلا دولة عادلة، ولا دولة عادلة بلا صحة مضمونة لكل الناس بدون تمييز.
