اختيار الانقياد بدل التفكير.. جاهلية معاصرة

بقلم/ المهدي الفهري
إقصاء العقل عن التدبر جاهلية معاصرة، فالعقل هو ميزان الحياة بأبعادها الفكرية والنفسية والاجتماعية، والجاهلية في أصلها ومعناها ليست مجرد جهل بالعلم والمعرفة، بل هي في الانقياد الطوعي لنزوات النفس والهوى وتحييد العقل عن التفكير السليم، تلك الحالة التي تعصف بالإنسان بين حين وآخر فيقع في صراع دائم مع نفسه ومع الآخرين، وهذا ما يبرر الحاجة الماسة إلى مقدار من الحس الذاتي الصادق الذي يُشخص الحال ويقترب من الواقع ومدى استعداد وتجاوب الأفراد والجماعات لمعالجة ذلك، بيد أن ما يحدث في الغالب هو العكس، إذ يحل السخط محل الحكمة والتخبط محل الحسم، وتنتشر الأمراض النفسية والاجتماعية، ويتفشى الفساد، ما يستدعي توضيح الحقيقة للناس وتذكيرهم بما يحصل بشكل دائم وإشعارهم بخطورة ما يجري وتحفيزهم على استنباط حلول واقعية تتماشى مع المتغيرات ووضع الترتيبات اللازمة لها حسب السياق الزماني والمكاني المحدد، كما يتطلب الأمر التنازل عن العناد والكف عن أساليب التعنت والمغالاة التي لا تخدم أحدًا، بل تزيد الأزمات اشتعالًا.
وكلما عجز العقلاء والمثقفون عن الوصول إلى قلوب الناس وإقناعهم بالحقيقة تم تقديم الأمور على غير حقيقتها، وتعاظمت الأزمات التي تحصل من حين لآخر رغم أنها قد لا تحتاج أحيانًا في التعاطي معها إلى تعقيد في التفكير أو براعة في المناورة بقدر ما تحتاج إلى لمسة من الحنكة والإدراك وقليل من الفهم والفراسة وربما بعض من الصبر والقدرة على الاحتمال كمسكنات لدفع الضرر وتخفيف المعاناة ومحاولة إيجاد حلول ناجعة ومناسبة لما يحدث من انحرافات وتجاوزات.
لقد زودنا الله بقدرات عظيمة وإمكانات هائلة غير أننا لم نُحسن استثمارها الاستثمار الأمثل فتأرجحتا بين الإفراط والتفريط، والانحدار الصامت وضعنا في رحلة البحث عن الاعتدال المفقود، وفقدنا القدرة على التوازن، وهكذا وجدنا أنفسنا في حالة من التردد والتسيب، نميل تارة نحو الغلو والتشدد وأخرى نحو الإهمال واللامبالاة وغياب العقل الجماعي، وأصبحنا مجتمعًا مأزومًا فاقدًا توازنه، يدور حول نفسه بلا دليل أو مرشد يخرجه من ضيق الأزمات والتحديات، فالحياة إذن ليست انتقالًا من سعادة إلى سعادة، بل من قدر إلى قدر، وعملية اختيار واختبار مستمر بين الممكن والمستحيل وبين الحاجة وتجددها، ولا يمكن للإنسان أن يكون عاقلًا بحق إذا لم يُحسن توظيف ملكة العقل في خدمته، فالعقل مُلك ومن فقد عقله كمن فقد مُلكه كما يعتقد البعض، أما مقياس نجاحنا أو فشلنا في حياتنا وأولوياتنا فهو مقدار ما نستطيع ترجمته إلى حقائق ملموسة في علاقاتنا مع الآخرين وما ينعكس على ردود أفعالهم وسلوكهم تجاه التحولات التي تمس حياتهم ومحيطهم، وبمعنى آخر إن المعيار الحقيقي هو بلوغ حالة من الرضا العام تلك التي تضمن للجميع نصيبًا من الحرية والسعادة والكرامة.
