الأدب أداة لفهم الواقع وقوة دفع للتغيير

بقلم/ المهدي الفهري
ربط مختلف قضايانا بالحقل الأدبي بما يحمله من معارك فكرية ومعرفية في زمن التحولات ينقلنا من الأدب إلى الفعل، ويعلمنا صياغة البدائل في زمن الأزمات، ويلزمنا بتوظيف أدوات الأدب والتحليل الثقافي حين يصبح الأدب أداة لفهم الواقع وتشريحه وأسلوبا ومنهجا للحياة وطريقًا للوعي والارتقاء، ذلك أن معالجة القضايا المتشعبة من منظور أدبي وفلسفي يثري الثقافة ويسهم في ترقية وعي المتلقين ويمنح الطرح بعدًا إنسانيًا ومعرفيا عميقًا.
ومن هنا لا يمكننا الحديث عن واقعنا دون العودة إلى جذوره وظروفه، فكل موقف نعبر عنه وكل إحساس نحمله يستمد معناه من الذاكرة الجماعية والخيال الأدبي ومن محطات الوطن المتعددة كمفاتيح لفهم الذات والمجتمع وكأدوات لتغيير الواقع وتحقيق التوازن بين حاجات الإنسان المادية والمعنوية التي تمثل الخزان الكبير لتجاربنا ووعينا الجمعي، فعالم التفكر والخيال عالم فسيح ومتسع تتنوع ميادينه وتتعدد مجالاته بما يتيح للباحث فرصة الغوص في أعماقه واختيار الموضوعات التي تتناغم مع ثقافته وقدرته على التحليل والفهم، ويمنحه شعورًا بالرضا والسعادة، ويفتح له أبواب الحلم والأمل، ويعيد نظرته للحياة فينقله من الانكفاء إلى الطموح، ومن السلبية إلى فضاء المعرفة، ويجعله أكثر توقًا لاكتشاف الأسرار، لا سيما وأن بناء الإنسان المعنوي يجب أن يسبق بناءه المادي، فالقيم الإنسانية الفكرية هي من تحّول عالم الأشياء إلى وقائع وموجودات لها قيمة معرفية، سواء أكانت معنوية أم مادية، وقوة العلم عادة ما ينتج عنها قوة الاقتصاد وقوة السياسة وقوة الانحياز للوطن إذا ما أحسنا العناية بزراعة الأذهان والعقول واستطعنا العبور بالذاكرة نحو وعي جديد بما يبعث حيوية في النفس والعقل ويحررهما من الوهم ومن العناصر المستهلكة من الثقافة.
إنها لحظات تأمل وسباق مع الزمن والتاريخ أمام مستجدات متلاحقة ووقائع ضاغطة تتطلب منا الثبات والصمود والقدرة على التحمل والعطاء والالتزام بكل ما يدعم الوطن ويحقق كرامته، خاصة في واقع مغشوش ومقلوب يتحرك بعكس إرادتنا ومحفوف بالمخاوف والمخاطر تتكرر فيه المسالك الوعرة وتعيدنا أحيانا إلى نقطة الصفر كلما حاولنا الانعتاق، ومع كل هذا يبقى الرهان الحقيقي على الوعي لتجاوز هذا الواقع الزائف لبلد يعج بالفرص والمغامرات ويمثل هدفًا ثابتًا للمصالح والأطماع على مر التاريخ، مع الاستعداد لطرح بدائل واقعية وناضجة تخلصنا من العجز وتدفع بنا إلى الفعل نحو مستقبل يحمل معنى وقيمة.
وبالرغم من حقيقة وصعوبة ما ندعو إليه أحيانا من أفكار وعرضها على المهتمين بهذا الشأن فإننا على قناعة تامة بأن ما يحس به هؤلاء من خلال فطرتهم السليمة من تراكم الأزمات سيؤدي حتمًا إلى رفع صوتهم صوب التغيير، تغيير يكون الأدب أداته ومرآته لتحقيق الإرادة الغائبة، ويتبوأ فيه الدفاع عن الأفكار والمشاعر والعواطف الإنسانية بفتح آفاق جديدة في عمق الذات والواقع وأهمية كسب رهانات الوعي في زمن التصارع والماديات.
