الهوية الوطنية الليبية.. حصن الذات في زمن التحولات

بقلم/ محمد بوخروبة
بين جذور التاريخ وأمل المستقبل.. كيف نصون انتماءنا في وطن تتنازعه التحديات؟ في أرض كتب التاريخ على رمالها أسماء الممالك، وخطت على صخورها الحضارات عهودها، لا يمكن للهوية الوطنية أن تكون أمرًا ثانويًا أو شعارًا يرفع في المناسبات، بل هي لب الكيان وركيزة البقاء، وهي الرابط الذي يجمع الليبي بالليبي، مهما تباعدت المسافات وتعددت الانتماءات.
الحديث عن الهوية الوطنية الليبية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، فحين تتزاحم المتغيرات السياسية والاجتماعية، وتتنازع الولاءات، ويراد للأوطان أن تفكك باسم الحداثة أو الصراع، تظل الهوية الوطنية هي الجدار الأول، وربما الأخير، في وجه الانقسام والتآكل.
الهوية الوطنية ليست تعبيرًا جغرافيًا، ولا مجموعة وثائق رسمية، ولا نشيدًا وطنيًا وحسب.. إنها المعنى الأعمق للانتماء، والمرآة التي يرى فيها الشعب ذاته عبر التاريخ، واللغة، والدين، والثقافة، والعادات، والقيم المشتركة.
هي ما يجعل من الليبي، أينما كان، جزءًا من كلٍ أكبر منه، هي الإحساس بأنك تنتمي إلى وطن له تاريخ مجيد، وله حضارة، وله كفاح مشترك، وله روح لا تموت.. ليبيا، ذلك الامتداد العريق، لم تكن يومًا نقطة على هامش التاريخ، بل كانت ولا تزال ملتقى حضارات، وموطن مقاومة، ومهد أبطال.. من ممالك جرمة وغدامس إلى الحقبة الرومانية، ومن الفتح الإسلامي إلى عصر المجاهدين ضد الاستعمار الإيطالي، ولدت الهوية الليبية من تراكم الذاكرة، ومن وحدة الجراح والانتصارات.. يكفي أن نعيد استحضار سيرة عمر المختار، الذي لم يحمل بندقية فحسب، بل كان يحمل هوية وطنية راسخة لا تساوَم، ولم تكن معركته مع الاستعمار معركة أرض فحسب، بل معركة وجود وهوية، وحين كان يقدَم إلى مشنقة الاحتلال، كانت روحه تقول للأجيال: من لا يصون هويته، يعدم مرتين، مرة في جسده، وأخرى في ذاكرته.
بعد عقود من الاضطراب السياسي، والانقسامات الجغرافية، والتدخلات الخارجية، أنهكت البنية النفسية للمجتمع الليبي، وأصبحت الهوية مهددة بالتشظي، حين يقدَم الانتماء لإثنية ما، أو المدينة أو الإقليم على حساب الوطن الواحد.. بل إن اللغة نفسها، كأحد أعمدة الهوية، بدأت تشهد تراجعًا في الاستعمال الفصيح، وفقدت المدارس دورها الريادي في بناء الحس الوطني المتوازن. وتراجعت الذاكرة الجماعية في سرد تاريخ مشترك، بينما تصاعد خطاب الكراهية والفرقة.
هذه التحديات، وإن بدت عاتية، إلا أنها ليست قدرًا محتومًا. فالهوية الوطنية كالجبل، لا تهدمه الرياح، لكنها تحتاج إلى من يرممها بالوعي، ويعيد غرسها في ضمير الجيل الجديد..
رغم كل شيء، لا تزال في ليبيا شواهد حية على التمسك بالهوية، يحتفظ الناس بموروثهم دون أن يتنكروا للهوية الليبية الجامعة.
وحين اختلطت الأصول والألوان واللهجات، ظل الشعور بالانتماء إلى ليبيا عابرًا للقبائل والحدود، لا يمكن صون الهوية الوطنية دون مشروع تربوي وثقافي عميق، ينبغي أن تعاد صياغة المناهج التعليمية لترسخ القيم الوطنية، وتعيد سرد التاريخ الليبي بأمانة وشرف، دون تسييس أو تحريف، ينبغي أن تتسع وسائل الإعلام، وتكرم كل الثقافات المحلية، ضمن إطار وطني لا يقصي ولا يمزق.
والأهم من ذلك، يجب أن يشعر المواطن الليبي أن له كرامة مصونة، وعدالة نافذة، ووطنًا ينصت إليه. فالهوية لا تبنى بالخطب وحدها، بل بالمواطنة الحقيقية، في ظل المساعي المتجددة لإعادة بناء ليبيا، لا بد أن تكون الهوية الوطنية هي أول بند في عقد المصالحة.
لا مصالحة بدون ذاكرة مشتركة، ولا وحدة بدون اعتراف متبادل بأن الوطن أكبر من الجميع، وأعز من كل خلاف.
لن يبني ليبيا النفط فحسب، ولا السلاح، ولا الدعم الخارجي، بل تبنيها قلوب تعرف أن كل حجر في هذا الوطن له ثمن دم، وأن الحفاظ عليه ليس واجبًا سياسيًا، بل وفاءً لمن رحلوا وهم يحلمون بليبيا واحدة، حرة، مستقلة.
الهوية الوطنية ليست شعارًا نرفعه حين نختلف، بل أمانة نحملها حين نلتقي، هي صدى التاريخ، وملامح الحاضر، وحلم الغد، فليكن لكل ليبي في قلبه خريطة ترسم الوطن، وفي عقله جذر لا ينسى تاريخه، وفي ضميره عهد ألا يبيع هوية شعبه لأي كان، ليبيا لنا جميعًا، وستظل، ما دمنا نؤمن بأن الانتماء لا يمنح.. بل يثبت ويصان.. ويورث كأغلى ما نملك.
