مقالات الرأي

ما حك جلدك مثل ظفرك

بقلم/ ناجي إبراهيم

تيته، المبعوثة الأممية للدعم في ليبيا، هي ضمن قافلة طويلة ممتدة منذ تولي المنظمة الأممية إدارة الصراعات في ليبيا، الناتجة عن تدخل المجتمع الدولي وفق قراريه 1970 و1973، اللذين أعطيا الشرعية للحلف الأطلسي بإسقاط الدولة، وفتحا الباب على مصراعيه للتدخلات الإقليمية والدولية في شأن ليبي – ليبي خالص، مما حول البلد إلى ساحة لصراعات دولية وإقليمية، وقسمها إلى مناطق نفوذ لهذه الدولة أو تلك. وتحول عمل المندوب الأممي إلى منسق بين هذه الأطراف الدولية والإقليمية، وأُخرجت الأطراف الليبية من معادلة الصراع. وتيته لن تكون استثناءً في مقارباتها لحل الأزمة، بل هي تعيد تجارب من سبقوها في إطار سعيها لإيجاد الحلول، في تجاهل تام من المجتمع الدولي لأسباب وتداعيات التدخل الخارجي، والذي منذ بداياته عام 2011، سعى إلى تعميق الخلافات وتوسيع دائرة الصراعات بدعمه وتبنيه لأطراف وأجسام سياسية لا تتمتع بشرعية شعبية، وتمكنت بدعم الأطراف الخارجية وبتواطؤ منه من اغتصاب السلطة، ما أدى إلى تعدد هذه السلطات، وبما يهدد وحدة الجغرافيا ويؤدي إلى ضرب النسيج الوطني.

حاولت البعثات الدولية المتتالية إظهار الأزمة المتجذرة، التي تتعمق بفعل المخطط العربي الاستعماري الغربي الذي سعى منذ حربه على ليبيا عام 2011 إلى تنفيذ مشروعه الاستعماري القديم، والعودة إلى جنوب المتوسط، والتحكم في منابع الطاقة، والدخول إلى القارة الأفريقية عبر البوابة الليبية، وذلك من خلال تصوير البعثة للصراع في ليبيا على أنه صراع على السلطة، قد يُحسم بحكومة تجمع المتصارعين، وتارة بالذهاب إلى انتخابات لم تتم، لأنها قد تُنتج سلطة من خارج عباءة الهيمنة الدولية ولا تحظى بموافقة إقليمية، قد تعيد خلط الأوراق وتفشل المخطط الذي يسعى إلى وضع ليبيا تحت الوصاية بشعارات وعناوين قد تأخذ طابعًا محليًا وبوجوه محلية.

وهذا ما لم ولن تفصح عنه مندوبة الأمم المتحدة، ولن تعلن عنه ما دامت المنظمة قادرة على إدارة وتدوير الأزمة من خلال أطراف ضالعة فيها، وتستطيع أن تُولّد لجانًا جديدة، وتجد من ينخرط في هذه السيناريوهات من الليبيين، بعضهم من أجل التمترس في الكرسي، وبعضهم حالم به.

كل ما قامت به البعثات هو تسكين لأزمة تتطلب عمليات جراحية كبرى، وتيته تحمل في حقيبتها نفس المسكن الذي كان قد استُعمل ممن سبقها لكل الأزمة الليبية، وهو عامل الوقت، وإعطاء المتدخلين الدوليين والإقليميين الوقت الكافي لإعادة رسم وهيكلة الأوضاع في ليبيا، بما يخدم مشروعهم، والقضاء على أي حلم لليبيين في بناء دولة ليبية مستقرة، ولها السيادة الكاملة على إقليمها، كما رسمته الدول التي رسمت سايكس بيكو وأنتجت دولًا ومجتمعات قابلة للتفكيك وممهدة أمام أي تدخلات في المستقبل. وما يجري في منطقتنا، من العراق حتى الجزائر مرورًا بسوريا وليبيا، هو إعادة لرسم خرائط جديدة تسمح بالتحكم في هذه المنطقة من ناحية، وتضمن تفوق الكيان الصهيوني من ناحية أخرى.

لا نستطيع أن نتهم تيته أو المندوبين الذين سبقوها بممارسة سلوك استعلائي استعماري في أشخاصهم، فبعضهم ينتمون إلى شعوب الجنوب التي عانت من ممارسات الاستعمار الاستعلائية والإقصائية، وحتى العنصرية المتعجرفة، ولكن لا نستطيع تبرئتها وتبرئتهم من أنهم ينفذون سياسات استعمارية لخدمة مشغّليهم من الدول النافذة في مجلس الأمن، ولم تستمع لصوت الشعب، وهو يطالبها بتنحية كل الأجسام التي أنتجتها سياسات وممارسات خاطئة للمبعوثين، ما شكل فشلًا ذريعًا للأمم المتحدة ومهامها في ليبيا، والتي انحرف بها المبعوثون عن مسارها، لتأخذ مسارًا آخر رسمه السفراء والمخابرات الغربية، لغاية في أنفسهم، يظنون أنها سر، ولكنها مكشوفة ومفضوحة، ولم تعد تنطلي على الأطفال، لمعرفتنا بالدروس التاريخية، وخاصة القريبة جدًا.

القصد من وراء هذا الحديث، الذي يراه البعض مكررًا، ويراه البعض الآخر معلومًا ومفهومًا، هو دعوة الليبيين إلى فك ارتباطهم بالبعثات والمندوبين والخارج، والاعتماد على أنفسهم للخروج من عنق الزجاجة الذي ولجوه، وهم يسيرون خلف المقاربات القادمة معلبة ومكررة من الخارج.

زر الذهاب إلى الأعلى