في حضرة الخصومة… يتجلّى معدن الرجال

بقلم/ محمود امجبر
ومنذ وقت طويل، وأنا أجد نفسي في خضم صراع سياسي وفكري عميق مع قوى الإسلام السياسي بمختلف صورها، والتي تروّج لمشروع أسلمة القوانين وبناء دولة دينية. مشروعٌ نراه مناقضًا لنهجنا الواضح في استكمال بناء دولة مدنية حديثة، تقوم على احترام القانون، وتحفظ الدين من أن يكون وسيلة للتكسّب أو أداة للمتاجرة السياسية. رفضُنا استغلالَ الدين لم يكن رفضًا للدين ذاته، بل كان احترامًا له، وحرصًا على إبقائه نقيًّا من عبث المصالح الضيّقة.
فالتاريخ لا يرحم أصحاب المبادئ الهشّة والمواقف المتلوّنة، إذ يكشف زيفهم عند أول منعطف. أما نحن، فموقفنا واضح وثابت: نختلف في الرأي مع خصومنا الفكريين والسياسيين، ونتمسك بحقهم في الوجود والمشاركة، من منطلق إيماننا العميق بالتعددية واحترام الرأي الآخر… ما عدا أولئك الذين يحملون فكرًا إرهابيًّا انقساميًّا متطرفًا، يسعى إلى تدمير الأوطان وتمزيق وحدة الشعوب.
في عالم تتقلب فيه المواقف، وتُختبر فيه المبادئ، تبقى الشهامة في الود كما في الخصومة ميزان الرجولة والنبل. فمن لا يُحسن الخُلق حتى في لحظات الخلاف، فهو خاسر في ساحة الأخلاق قبل أن يخسر في معترك الرأي.
للأسف، ابتُلينا ببعض من لا يعرفون لخصومة الشرف سبيلاً؛ إذا اختلفتَ معهم، تحوّلوا إلى وحوش تنهش دون وعي أو وازع. ينقلبون عليك كأنهم لم يقتسموا معك يومًا رغيف مودة، ولا حملوا لك يومًا جميل عشرة. يفضحون أسرارك، ويقذفونك بما ليس فيك، ويحرّفون الكلام عن مواضعه… كذاكرة السمك، لا يثبتون على ود، ولا يحفظون مواقف المعروف. تتوالى منهم عليك الصدمات حتى تكاد لا تعرفهم… هل هم فعلاً أولئك الذين كانوا يومًا موضع ثقة؟
وما أقسى الخصومة حين تكون مع من ظننتهم حلفاء قلبك… فعداوة الأقران أقسى من خصومة الأعداء، وخصومة الأقربين أوجع من غرباء الزمان. كم هي موجعة تلك المواجهات حين تقع داخل الوطن، أو الأسرة، أو بين أبناء العم، بل أشد ألمًا حين تُفتّت بين الأشقاء. كلما اقترب الدم، اشتدت مرارة الخصام.
والفجور في الخصومة باب من أبواب الظلم، إذ لا يكتفي صاحبه بالاختلاف في الرأي، بل يحمّل خصمه مئة كذبة، ويُسقطه في وحل لا ذنب له فيه. لا يرى إلا القبيح، ويتغافل عن الجميل، ينظر بعين ملوّثة بالعداوة، فلو نظر بعين الرضا لاستحسن حتى الزلل، لكنه يُحوّل كل محاسن الناس إلى ذنوب. كالذباب، لا يقع إلا على الجراح.
أما أنا، فقد كنت وما زلت في صراع سياسي وفكري مع قوى الإسلام السياسي ومشروعها القائم على أسلمة التشريعات وإقامة الدولة الدينية. صراعُنا هذا لا ينبع من عداء للدين، بل من احترامه، ورفضًا لاستخدامه مطيّة للكسب السياسي والتلاعب بالعقول باسم العقيدة. نؤمن بدولة مدنية حديثة، تحكمها القوانين، وتحفظ الدين من الاستغلال.
ورغم هذا الاختلاف الجذري، لم نكن دعاة إقصاء أو إنكار للرأي الآخر. موقفنا ثابت: نقف على أرضية التعددية وقبول الآخر، إلا من حمل فكرًا متطرفًا، إرهابيًا، انقساميًا، لا يرحم، ولا يعترف بوطن ولا شركاء. فالتاريخ لا يرحم المتقلبين في مبادئهم، وسيسقط الأقنعة عن أصحاب الشعارات الهشّة يومًا ما.
