تواطؤ دولي وميليشيات تنتحر

بقلم/ عفاف الفرجاني
تعيش ليبيا منذ أكثر من أربعة عشر عامًا وضعًا أمنيًّا أقرب إلى الخطير، توالت فيه أسماء عديدة من أمراء الميليشيات، منهم من تمّت تصفيته، ومنهم من لا يزال على رأس ميليشيات تفوق قوتها أجهزة الدولة.
يمارس هؤلاء نفوذهم من داخل ليبيا، حتى إنّ بعضهم انخرط ضمن تشكيلات مسلحة تابعة لحكومة الوحدة الوطنية في غرب البلاد، ومجموعات أمنية أخرى تهيمن على الخط الغربي من العاصمة. ومنهم أيضًا من فرّ خارج البلاد.
أما الذين فرّوا من محاسبة العدالة بعد ارتكابهم جرائم حرب من قتل وتنكيل واعتقال، فهم اليوم ليسوا رهن السجون أو المحاكمات الجادة، بل يتنقلون بحرية داخل ليبيا، أو يتمتعون بحماية خارجية.
المجتمع الدولي، بما فيه مجلس الأمن والأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، يدرك جيدًا حجم الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها هؤلاء المجرمون، وقد صرّحت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية بأن الأجهزة القضائية الليبية تفتقر إلى الاستقلالية في إصدار مذكرات إدانة بحقهم، ولا تستطيع ملاحقة ذوي النفوذ من أمراء الميليشيات، بسبب تواطؤ دولي تُكافأ فيه هذه الشخصيات بمناصب سياسية رمزية دعمًا لهم.
في تقديري، فإنّ هذا الواقع يرجع إلى الفوضى المؤسسية، بما فيها غياب استقلال القضاء، وتشابك السلطات المتنافسة شرقًا وغربًا، فضلًا عن تغوّل الميليشيات كقوة سياسية واقتصادية تملك الأسلحة والسجون والمال، وتحظى بدعم خارجي، إلى جانب تواطؤ قانوني من جهات أوروبية وأمريكية وتركية. وقد فضحت هذه الحالة ضعف تطبيق مذكرات الاعتقال الدولية، التي شملت عددًا محدودًا من الشخصيات فقط، بل على العكس، فإنّ أنقرة لم تتردد في جلب آلاف المقاتلين السوريين من فصائل مثل السلطان مراد، المعتصم، الشام، وجبهة النصرة، للدفاع عن ميليشيات طرابلس ضد القوات المسلحة الليبية.
خلاصة المشهد أن الميليشيات باتت تمثل الذراع الأمنية لحكومة معترف بها دوليًا، وهي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تمثل ليبيا في الأمم المتحدة، وتستغل هذه التشكيلات المسلحة غطاء الشرعية بالتموضع تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية.
في المقابل، تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية – مثل تركيا، إيطاليا، وبريطانيا – مع هذه الجماعات، بينما تدعم دول مثل مصر، وروسيا، الأجسام الشرعية كالقوات المسلحة الليبية ومجلس النواب، بناءً على اتفاقات ومصالح لا تستند إلى إرث استعماري.
إذًا، يبقى الحل مرهونًا بالمجتمع الدولي، الذي يرى في أمراء الميليشيات أدوات تنفّذ أجندات استعمارية، وخروجهم من المشهد يمثل بالضرورة بداية لانتهاء الأطماع الأجنبية في ليبيا.
