المصالحة الليبية كطريق للتعافي!

بقلم/ فرج بوخروبة
مر عقد ونيف على “الربيع العربي” الذي عصفت رياحه بليبيا، تاركةً وراءها مشهدًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا بالغ التعقيد والتحدي. فما كان يُرجى أن يكون فجرًا جديدًا من الديمقراطية والرخاء، تحوّل إلى مرحلة من الانقسام والصراع، مما فرض على الليبيين واقعًا تتطلب مواجهته حكمةً وبعد نظر، وتجعل من المصالحة الوطنية ضرورة وجودية لا خيارًا ترفيًا.
على الصعيد السياسي، أفرزت مرحلة ما بعد 2011 حالةً من الانقسام الحاد والتناحر على السلطة. تعددت الأجسام السياسية، وتنازعت الشرعيات، وتحوّلت ليبيا إلى ساحة لتصفية الحسابات بدلًا من أن تكون فضاءً لبناء دولة المؤسسات. لقد أدى هذا الانقسام إلى فقدان الدولة لهيبتها وقدرتها على فرض سيادتها، ما سمح بتغلغل التدخلات الخارجية التي عمّقت الشروخ الداخلية. هذه التدخلات، سواء كانت من دول إقليمية تسعى لتوسيع نفوذها أو من قوى دولية لها مصالح استراتيجية في النفط والغاز، قدمت دعمًا لأطراف على حساب أخرى، مما غذى الصراع وأعاق أي جهود حقيقية لبناء توافق وطني. أصبحت ليبيا ورقة تُحرّك في صراعات إقليمية ودولية، ونتج عن هذه الانقسامات شلل شبه كامل في مؤسسات الدولة، وعُطّلت عجلة التنمية، وأُهدرت فرصٌ لا تُعوّض للأجيال القادمة، مما جعل الدولة في حالة “هشاشة” دائمة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فكانت التداعيات كارثية بكل المقاييس. أدى استمرار الصراع وعدم الاستقرار إلى تعطيل شبه كامل للإنتاج النفطي، وهو الشريان الحيوي للاقتصاد الليبي ومصدر دخلها الأساسي. هذا التوقف المتكرر والاضطرابات في القطاع النفطي لم يؤثر فقط على إيرادات الدولة، بل أثر أيضًا على احتياطياتها النقدية التي بدأت في التآكل بشكل مقلق. تدهورت البنى التحتية بشكل كبير، من طرق ومستشفيات ومدارس ومحطات كهرباء، بسبب الإهمال والنزاعات المسلحة. توقفت المشاريع التنموية الكبرى التي كانت ستسهم في تنويع الاقتصاد وتوفير فرص العمل، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية والمحلية بشكل كبير نتيجة لبيئة عدم اليقين والمخاطر الأمنية. يواجه المواطن الليبي اليوم تحديات جمة تتمثل في غلاء المعيشة غير المسبوق، ونقص حاد في الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والرعاية الصحية، والتدهور المستمر في قيمة العملة الوطنية، ما أثر بشكل مباشر على القوة الشرائية للمواطن. لقد تآكلت الثروات التي كانت كفيلة بتوفير حياة كريمة لكل ليبي، وبات الفقر يطرق أبواب العديد من الأسر بعد أن كانت ليبيا في مصاف الدول الغنية. إن استمرار هذا النزيف الاقتصادي يُهدد بتقويض أي فرصة حقيقية للتعافي والنهوض المستدام.
ولعل الأثر الأشد إيلامًا كان على النسيج الاجتماعي الليبي. لقد شهدت السنوات الماضية تمزقًا في الروابط الاجتماعية التي كانت تجمع الليبيين، وتزايدًا في مشاعر الكراهية والتشكك بين أبناء الوطن الواحد، تغذيها خطابات التحريض والشحن الطائفي والقبلي. أصبح الخوف سمةً عامة في حياة الناس، وغدا النزوح الداخلي واقعًا مريرًا لعشرات الآلاف من الليبيين الذين اضطروا لترك منازلهم وممتلكاتهم بحثًا عن الأمان. تدهورت المنظومتان التعليمية والصحية بشكل لافت، حيث أغلقت المدارس والجامعات في بعض المناطق، وتضررت المستشفيات، مما أثر سلبًا على مستقبل الأجيال القادمة وصحة المجتمع. تزايدت معدلات الجريمة المنظمة وغير المنظمة، وانتشرت ظاهرة حمل السلاح بشكل مقلق في المدن والقرى، مما خلق بيئة من اللا أمن. هذه السنوات تركت جراحًا غائرة في نفوس الليبيين، جراحًا تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين للالتئام، ليس فقط على المستوى المادي، بل على المستوى النفسي والمعنوي أيضًا. باتت الأجيال الشابة تنشأ في بيئة مشبعة بالصراع، ما يُهدد بتشويه رؤيتهم لمستقبلهم ومستقبل وطنهم، ويخلق تحديات كبيرة لإعادة بناء الثقة والتلاحم المجتمعي.
إن الوقوف على مفترق الطرق هذا يحتم على الليبيين إدراك أن استمرار الوضع الراهن يعني الانزلاق نحو المجهول، ويهدد بتفكك الدولة إلى كيانات متناحرة، وتحوّل ليبيا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية دون أي سيطرة وطنية. إن الفشل في تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة يعني استمرار دائرة العنف، وتعميق الانقسامات، وتلاشي أي أمل في بناء مستقبل آمن ومستقر. الخطر لا يقتصر على ليبيا وحدها، بل يمتد ليشكل تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار المنطقة بأسرها، بما في ذلك دول الجوار التي تتأثر بالنزوح وتهريب السلاح والجريمة المنظمة. فليبيا، بحكم موقعها الجغرافي وثرواتها، تُعد ركيزة أساسية لاستقرار شمال إفريقيا والمتوسط، وأي اضطراب فيها ينعكس سلبًا على المنطقة برمتها.
لذلك، لم تعد المصالحة الوطنية مجرد خيار سياسي، بل أصبحت ضرورة وجودية لا غنى عنها للخروج من هذه الأزمة. تتطلب هذه العملية العميقة والشاملة ما يلي: قبول الآخر، بنبذ خطاب الكراهية والتشويه، والاعتراف بالتنوع الثقافي والاجتماعي الليبي الذي يمثل قوة لا ضعفًا، والإيمان بأن القوة الحقيقية تكمن في الوحدة لا في التفرق. تتطلب كذلك التسامح والعفو، بالقدرة على تجاوز آلام الماضي من خلال الحوار الصريح والشفاف، وفتح صفحات جديدة مبنية على الثقة المتبادلة، ومد الأيدي لبعضنا البعض بروح التسامح الحقيقي الذي ينبع من إدراك أن المستقبل يتطلب نبذ الضغائن. لا بد من السعي لتحقيق العدالة الانتقالية لضحايا الصراع، وضمان عدم الإفلات من العقاب للمتسببين في الفوضى والعنف، ولكن بروح المصالحة التي تسعى للبناء وإعادة اللحمة الاجتماعية لا للانتقام الذي قد يغذي دورات جديدة من العنف. يتطلب الأمر أيضًا بناء المؤسسات من خلال العمل الجاد على إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس راسخة من الكفاءة، والشفافية، والمساءلة، بعيدًا عن المحاصصة والمحسوبية السياسية التي أضعفت الدولة في الماضي. وأخيرًا، لا بد من إشراك الشباب والمرأة ومنحهم دورًا فاعلًا في عملية المصالحة والبناء، فهم وقود المستقبل، وحاملو لواء التغيير الحقيقي، ولديهم القدرة على تجاوز خلافات الماضي وبناء مستقبل أفضل. هذا يشمل تمكينهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن التحديات جسيمة، والمسؤولية عظيمة، لكن قدرة الليبيين على تجاوز المحن التاريخية ليست محل شك، فقد أظهروا على مر العصور قدرتهم على الصمود والتكيف. إن الوحدة والتكاتف، ونبذ الخلافات الصغيرة من أجل المصلحة الوطنية العليا، هي السبيل الوحيد نحو بناء ليبيا موحدة، مزدهرة، وآمنة. إن المصالحة ليست نهاية المطاف، بل هي البداية الحقيقية لمستقبل تستحقه الأجيال القادمة، مستقبل يضمن الأمن والازدهار والاستقرار للجميع.
