مقالات الرأي

المحضر الخاص.. هل هو موظف عام؟

بقلم/ غادة الصيد

تُثير الطبيعة القانونية لعمل المحضرين تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانوا يُعتبرون من فئة الموظفين العموميين، خصوصًا في ظل تنوع الأشكال التنظيمية لمهنتهم، بين المحضر التابع للمحكمة، والمحضر الذي يباشر عمله من خلال المكاتب الخاصة أو التشاركية.

نظريًا، يستند تحديد صفة الموظف العام إلى معايير مستقرة في الفقه والقضاء، أبرزها: صدور التعيين من جهة عامة، أداء وظيفة تدخل في اختصاص الدولة، والخضوع لنظام قانوني عام في ممارسة المهام. وبالنظر إلى مهام المحضر – سواء كان تابعًا للمحكمة أو يعمل ضمن مكتب خاص – نجد أنه يباشر أعمالًا جوهرية تدخل في صميم العمل القضائي، مثل الإعلان، والتنبيه، والتبليغ، والتنفيذ، وذلك وفقًا لما قررته المادة السابعة من قانون المرافعات المدنية والتجارية بعد تعديلها بالقانون رقم (25) لسنة 1369 و.ر، والتي جاء فيها صراحة: “ولا يُسأل المحضرون إلا عن خطئهم في القيام بوظائفهم”.

إلا أن الإطار القانوني المنظِّم لمهنة المحضر الخاص يستوجب الرجوع كذلك إلى القرار رقم (128) لسنة 2002، بشأن تنظيم أعمال المحضر الخاص ضمن المهن الحرة، والذي منح من يمارس هذه المهنة أهمية قانونية واضحة، تمثلت في إضفاء صفة الموظف العمومي عليه، والتأكيد على أن أوراقه ودفاتره تُعد في حكم المستندات الرسمية، مما يجعلها مشمولة بالحماية القانونية المنصوص عليها في التشريعات الجنائية، بما في ذلك قانون العقوبات العام، وقانون الجرائم الاقتصادية، باعتبارها تتعلق بالمال العام.

وقد عزّز هذا التوجه القرار رقم (191) لسنة 2006، بتعديل أحكام القرار المشار إليه، حيث رسّخ الطبيعة الرسمية لأعمال المحضرين، حتى وإن تم أداؤها من خلال مكاتب خاصة وفي إطار تشاركي، ما يجعل أعمالهم خاضعة للمساءلة القانونية شأنهم شأن الموظفين العموميين، لا سيما من حيث المسؤولية المدنية والجنائية والتأديبية.

ومع ذلك، لا يمكن القطع جزمًا بأن المحضرين، خصوصًا أولئك الذين يعملون من خلال المكاتب الخاصة، يُعتبرون موظفين عموميين بالمعنى الدقيق الذي استقر عليه القانون، نظرًا لأنهم لا يُعيّنون بموجب قرارات إدارية صادرة عن جهة حكومية، ولا يتقاضون راتبًا من المال العام، وإنما يُرخّص لهم بمزاولة مهمتهم ضمن إطار خاص، وإن كان خاضعًا لإشراف قضائي ورقابي.

ومع ذلك، نص القرار رقم (128) لسنة 2002 على أن أعمال المحضر ذات صيغة رسمية، وأن أوراقه تُعتبر مستندات رسمية، وبذلك يُعامل كموظف عام في نظر قانون العقوبات عند ممارسته لمهامه، حمايةً للعمل القضائي وضمانًا للثقة العامة، وفق الفقرة (4) من المادة (16) من قانون العقوبات، والتي تنص على: “الموظف العمومي هو كل من أُنيطت به مهمة عامة في خدمة الحكومة أو الولايات أو الهيئات العامة الأخرى، سواء كان موظفًا أو مستخدمًا، دائمًا أو مؤقتًا، براتب أو بدونه، ويدخل في ذلك محررو العقود، والأعضاء المساعدون في المحاكم، والمحكمون، والخبراء، والمترجمون، والشهود أثناء قيامهم بواجباتهم”.

وبذلك، يمكن القول إن المحضر الخاص يتمتع بصفة قانونية مزدوجة؛ فهو يحتل موقعًا قانونيًا مركبًا، إذ إنه من جهة مسؤول عن أعمال رسمية لها أثر قانوني مباشر وتخضع حمايتها لأحكام صارمة، ومن جهة أخرى لا يتمتع بكافة خصائص الموظف العمومي، رغم أن مهنته تُنظم في إطار خاص وبترخيص مهني.

زر الذهاب إلى الأعلى