المثقف بين مسؤولية الفعل وغواية النرجسية

بقلم/ المهدي الفهري
الاجتهاد في معرفة الآخر والتفاعل معه حضاريًا هو أول انتصار في معارك الوعي والثقافة، وهو الأساس لقيام أي نهضة ثقافية حقيقية من خلال الحفاظ على الهوية الثقافية وإفشاء روح حوارية عالية تعبر عن محتوى ومضمون معنوي وتقوم على أبعاد فكرية وإنسانية متأصلة في منهج الحوار وآدابه مع الاستفادة من المراجع والمصادر الغنية بالأصول المنهجية والسلوكية وبما يثري القواسم الثقافية المشتركة بعيدا عن الهيمنة أو التمركز حول الذات، وهو أساس التعايش الثقافي بين الأمم والشعوب، وهذا لا يتحقق إلا من خلال تبادل الخبرات في أجواء يسودها روح الاحترام والانفتاح والانطلاق من أساس حواري متأصل في الفكر والإنسانية ودوره في تأصيل القيم وبناء المستقبل.
وفي وقت تتصارع فيه التغيرات ويكرس الإعلام ثقافة المادة على حساب كل الجوانب الأخرى ويدعو إلى الالتزام بمبادئ خارج إطار الوطن والمواطنة وتتحول الوطنية إلى عنوان مزيف وشكل مختلف عن الصورة النمطية المألوفة تبرز الحاجة إلى أهمية الحوار الثقافي كخيار أمثل لتقارب العقول والتأسيس لبناء جسور من التفاهم والتعاون بين النخب الفكرية من خلال تقديم رؤية فلسفية واضحة بين المثقفين تفتح آفاق الاتفاق والالتقاء وفق منهج واضح وأسس عميقة للحوار وتتيح خلق مسافات ومساحات فعالة لتبادل الأفكار، وتمهد الطريق لتشكيل جبهة ثقافية موحدة تجسد ملامح المثقف الفاعل وتنتقل به من الجهد الفردي إلى العمل الجماعي الواعي والتوجه نحو آفاق أكثر نضجًا واتساعًا وعبر الإجماع على نسق واحد يزيد من مستوى الوعي الثقافي العام ويؤكد على أن الحوار الحقيقي لا يقوم إلا على قواعد ثابتة تسهم في رفع منسوب الفهم وتبني المبادرة الجماعية وتعزز من روح الحوار المشترك بين النخب والانخراط في العمل الثقافي بوصفه مشروعًا حضاريًا فاعلًا وليس انعكاسًا لردود الأفعال أو تعبيرًا عن لحظة انفعالية ظرفية.
هذا المسار غالبًا ما يبدأ بفكرة وسرعان ما يتحول إلى مبادرة ثم ينتقل إلى التنفيذ ضمن مناخ ملائم وسياسات إقناع ناعمة ومدروسة مع الاستعداد لطرح البدائل عند الضرورة وفي المقابل باتت النرجسية تهدد صفاء الفعل الثقافي وتفقد بعض الشخصيات اتزانها وتتورط في وهم الشهرة لتمسى أكثر دنوًّا من الأمراض النفسية ما يترك أثرا سلبيًا على علاقتها بالآخرين، فأي مشروع ثقافي جاد لابد أن يقوم على بنية فكرية ويتكئ على رؤية هيكلية واضحة تستلهم من الماضي وتتحرك بواقعية في الحاضر لتنتج فعلا نوعيًا يُعلي من قيمة الإنسان ويستوعب مشاعره ويعيد التوازن لعلاقته بذاته ومجتمعه ويضيف لوعيه المعاصر بعدًا إنسانيًا وروحيا عميقًا ضمن الاهتمام بالثقافة كعنصر فاعل للتنمية وللتغيير وما تمثله من إطار مرجعي ومحوري مسؤول في توجيه سلوك الأفراد نحو تشكيل الوعي وتحمّل المسؤولية الاجتماعية.
