الدينار بين مطرقة الصريرات وسندان الطباعة

بقلم/ عبد الفتاح الشريف
تضاربت ردود أفعال الأطراف السياسية وتباينت المواقف حتى داخل الأوساط المالية والاقتصادية بخصوص ما كشف عنه تقرير مصرف ليبيا المركزي عن وجود فارق بمبلغ 3.5 مليار دينار بين ما تم إصداره عن طريق إدارة الإصدار بفرع مصرف ليبيا المركزي وما تم توريده من مبالغ ماليه من فئة الـ 50 دينارًا في أعقاب قرار مصرف ليبيا المركزي سحب هذه الفئة (التي تم طباعتها في روسيا) من التداول.
وبدلًا من الدفاع عن طرف بعينه وتبرير ما قام به استنادًا إلى ظروف المرحلة التي تمت فيها عملية طباعة 3.5 مليار دينار بالتجاوز أو الانحياز إلى الطرف الآخر الذي انتهج سياسات شعبوية كارثية تسببت في هدر الموارد واستنزاف عشرات المليارات الذي استبق الأحداث بالتسويق لفرضية وجود مبالغ متداوله من فئة 20 دينارًا تم طباعتها بالتجاوز تفوق قيمتها ما تم حصره من زيادة عند استبدال فئة الـ 50 دينارًا وذلك تأجيجًا للحملة الإعلامية ضد الطرف الآخر ما يستدعي قيام المصرف المركزي بشرح وافٍ لما حدث وعن الأضرار والمخاطر المتوقعة من عملية التجاوز في طباعة 3.5 مليار دينار، وذلك التزامًا بمبادئ الشفافية والامتثال للقوانين واللوائح وطمأنة الرأي العام واستعادة ثقة المواطن في السلطات النقدية بعد فقدان الثقة في السلطات التشريعية والتنفيذية.
من الضروري جدا تحديد الأضرار والمخاطر التي قد تلحق بالاقتصاد الوطني بسبب ما تم طباعته من مبالغ بالتجاوز فوق ما اعتمدته إدارة الإصدار بالمصرف المركزي، وسيتم التركيز في هذا المقام على الناحية النظرية لعدم توافر بيانات إحصائية بهذا الخصوص ولعدم وجود دراسة اقتصادية عن درجة المخاطرة التي تمثلها 3.5 مليار دينار ونسبتها الى السيولة المتداولة والتي تستوجب قيام المصرف المركزي بتكليف فريق متعدد المهاراتteam Multidisciplinary من الخبراء الاقتصاديين لدراستها وتحديد ما قد يترتب عنها من مخاطر أو أضرار، حيث يضم هذا الفريق خبراء في: macroeconomics, monetary economics, econometrics))، ولهذا من المهم أن يسارع المصرف المركزي إلى تشكيل هذه اللجنة لإجراء تقييم شامل للمخاطر والأضرار المحتملة واقتراح ما يجب اتخاذه من إجراءات لمعالجتها، وأقترح أن تشمل مهام اللجنة ما يلي:
– جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالمعروض النقدي، التضخم، والاقتصاد الكلي واستخدام النماذج الاقتصادية لتقدير تأثيرات ما تم طباعته من مبالغ مالية بالتجاوز.
– تحديد المخاطر المرتبطة بزيادة المعروض النقدي غير المصرح به وتقييم تأثير هذه المخاطر على الثقة في الدينار الليبي.
– دراسة التأثيرات الفورية على الأسعار والقوه الشرائية والنمو الاقتصادي وكذلك دراسة التأثيرات المحتملة على المدى الطويل خاصة على الاستقرار الاقتصادي والتنمية.
– مراجعة السياسات الحالية للمصرف المركزي وتحليل فاعليتها في مواجهة التحديات التي قد تنجم عن الطباعة غير المصرح بها وتقديم مقترحات لتحسين الرقابة والحوكمة داخل المصرف المركزي.
– دراسة تجارب الدول الأخرى في مواجهة مشاكل مشابهة والاستفادة منها.
عادة ما تؤدي الزيادة غير المتوقعة للسيولة المتداولة إلى ارتفاع معدلات التضخم بسبب وجود زيادة في الكتلة النقدية التي تهدف إلى شراء نفس الكمية من السلع والخدمات، ومن الطبيعي أن ترتفع الأسعار في مثل هذه الحالات، كما يؤثر التضخم بشكل غير متناسب على أصحاب الدخل المنخفض، ويؤدي إلى زيادة التفاوت الاقتصادي بسبب انخفاض القدرات الشرائية لهذه الشريحة، وفي هذا الصدد لا يجب علينا أن نحمل عبء التضخم لمبلغ 3.5 مليار دينار ونتناسى التخبط والتضارب في السياسات المالية والنقدية والإنفاق الشعبوي وسوء إدارة المالية العامة وأثرها في ارتفاع معدلات التضخم.
كما يتوقع أن يؤدي التجاوز في طباعة الأموال إلى اختلال في السياسة النقدية بسبب عدم قدرة المصرف المركزي على القيام بدوره بكفاءة للتحكم في التضخم وتحقيق الاستقرار في الاقتصاد وذلك بانخفاض قيمة الدينار الليبي، ما يؤثر على القدرة الشرائية للعملة المحلية داخليًا، وحتى في المبادلات التجارية الخارجية، ومن أشد المخاطر التي قد تترتب على التجاوز في طباعة الأموال بالمخالفة للقوانين واللوائح التي تنظم أصل العملات هو فقدان الثقة في المصرف المركزي وفي العملة المحلية مما قد يضطر الأفراد والشركات للبحث عن بديل للدينار الليبي (دولار أو ذهب أو يضطر للجوء للدينار التونسي أو الجنيه المصري خاصة في المناطق الحدودية)، وباختصار فإن تكرار مثل هذه التجاوزات يؤثر على الاستقرار الاقتصادي ويقوض السياسة النقدية ويخلق تحديات لإدارة الاقتصاد في المدى الطويل.
إن الأضرار والمخاطر السابقة تحتم على السلطة النقدية القيام بإجراءات عاجلة وفورية للتخفيف من حدتها ولمواجهة آثارها ومن بين هذه الخطوات:
– تشديد السياسة النقدية، وذلك بأن يعود المصرف المركزي إلى سابق عهده التقليدي برفع أسعار الفائدة لكبح التضخم وإعادة الاستقرار للاقتصاد، وكذلك تخفيض الكتلة النقدية المتداولة لامتصاص السيولة الزائدة، وذلك من خلال بيع السندات الحكومية وتنسيق السياسات المالية والنقدية بين المركزي ووزارة المالية.
– الشفافية والمساءلة: بتعزيز نظام الحوكمة وإنشاء بروتوكولات واضحة وآليات إشراف لمنع الإجراءات غير المصرح بها داخل المصرف المركزي والقيام بعمليات تدقيق متكررة لقرارات السياسة النقدية واختلال المعروض النقدي.
– إعادة بناء الثقة، وذلك بالتواصل الشفاف مع المواطنين لشرح الخطوات التي تم اتخاذها لتصحيح الأخطاء ووضع المواطن في صورة الإجراءات التي يقوم بها المركزي لإعادة الاستقرار للاقتصاد وإعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة النقدية والمالية والاقتصادية.
– النظر في تسعير السلع الأساسية لحماية المستهلكين من التضخم المتسارع والتفكير في دعم السلع الأساسية والضرورية لأصحاب الدخول المحدودة.
– تحفيز الاقتصاد من خلال الإنفاق الحكومي على البنية التحتية لتحفيز النمو غير المصحوب بالتضخم وصرف المنح المالية والإعفاءات الضريبية لبعض الشركات لمساعدتها في احتواء الضغوطات التضخمية التي قد تنجم عن طباعة الأموال بالتجاوز.
