جدلية التجدد والانتماء

بقلم/ المهدي الفهري
الجمع بين الفكر والتدبر وبين ما يتوصل إليه العقل من تبصر وتأملات فكرية وما تعارف عليه البشر من معارف وسلوكيات اجتماعية متوارثة ومكتسبة بمرور الوقت هو جمع بين الفكر والثقافة ويشكل مزيجًا ثريًّا عادة ما يتم تسويقه بالانتماء المتجدد أو الهوية المتجددة التي ترافق رحلة الإنسان مع التغيير ولا تنفصل عن التاريخ، ولكنها لا تعيش أسيرة له.
والعلاقة بين الفكر والثقافة علاقة متداخلة بوصفهما عاملين أساسيين لا غنى عنهما لتوحيد الناس وفهم الذات وتطويرها والتفاعل الإيجابي مع الآخر، ومن خلالهما يتم فهم ثقافتنا والاطلاع على باقي الثقافات والتعرف على مختلف وسائل المعرفة، وهما لا يختزلان في أشخاص أو في أزمنة محددة، بل هما الأقرب لكيانين حيّين يتجددان بتجدد الحياة نفسها وفي زمن يتسارع فيه التغيير وتتشابك فيه القيم والمعارف، ولم نعد منعزلين عن المؤثرات الخارجية، صرنا نعيش جزءًا من تيارات محدثة فكرية وثقافية عالمية جديدة نتأثر بها ونتفاعل معها وتفرض علينا الاعتراف بها اعترافًا بتنوع الثقافات والمجتمعات كجزء من الموروث والوجود الإنساني، وتتطلب منا وعيًا نقديًّا قادرًا على التمييز بين ما يمكن قبوله وما يجب الحفاظ عليه من قيمنا الأصيلة في وقت أتاح لنا الانفتاح على الثقافات الأخرى فرصة ثمينة للتفاعل مع هذه التيارات دون الذوبان فيها والسعي إلى بناء وعي إنساني مشترك قائم على احترام الاختلاف واستلهام التجارب الناجحة وفق معايير أكثر عدالة وعقلانية ومن خلال تعايش يثري الإنسان ويجعله أكثر استعدادًا لصياغة وصناعة واقع أكثر توازنًا واستقرارًا وإنسانية..
قبول هذا النمط من التعايش الثقافي يعزز بناء الوعي والفكر والقيم الإنسانية المشتركة بين البشر، ويسمح لنا بالعودة لإحكام العقل والمنطق والاستفادة من خبرات الأمم الأخرى ومعرفة قواعد الحياة الجديدة وتوظيفها في استشراف المستقبل ومستجداته، ويخلصنا -ولو مرحليًا- من غياب ملامح التحضر والإنسانية في محيطنا وآثارها السلبية على تفكيرنا وسلوكنا، والتي قد تتطلب تحركًا جماعيًّا لتغييرها وتغيير الواقع السلبي الذي يرافقنا خلال مراحل حياتنا المعتادة ويحصرنا بين التلاقح الحضاري وفقدان الهوية. ووصولنا إلى تلك الثقافات يمثل وصولًا للحضارة والتاريخ وملامسة لحياة الإنسان في ذلك الزمان لاستخلاص العبر والتجارب من حياة من سبقنا من الشعوب وامتدادًا ثقافيًّا واجتماعيًّا طبيعيًّا لإبراز جهد الآخرين والاعتراف بدورهم في تقديم جهود إنسانية ظلت رمزًا للتحولات المختلفة وأسهمت دون شك في ما وصلت إليه البشرية من تقدم وتطور على جميع الأصعدة، وهذا ما يستوجب وضع أطر محفزة للتفكير والتثقيف للمحافظة على الانتماء والهوية من خلال ربط الماضي بالحاضر وتسخير ما نملك من إمكانات لخلق واقع جديد أكثر قبولًا وأكثر واقعية، والتفاعل معه إيجابيًّا بمفهوم الوعي الثقافي المتجدد وفي حضرة الفكر والثقافة.
