إلغاء الدعم ودعم الحكومة

بقلم/ قاسم صنبير
كثرة التصريحات والأحاديث عن الإنفاق ورفع الدعم عن بعض السلع بهدف تحقيق التوازن بين الواردات والصادرات، وبالتالي تحقيق النمو المستهدف، دفعت العديد من الدول إلى اللجوء إلى رفع الدعم الحكومي حسب الحاجة. بعض الدول وضعت خطة تدريجية لرفع الدعم، وأخرى اختارت دعم سلع معينة ورفعت الدعم عن سلع أخرى وفقًا لأولوياتها الوطنية. نجحت بعض هذه الدول في تحقيق نمو اقتصادي، بينما أخفقت أخرى ودخلت في متاهة يصعب الخروج منها، وكان رفع الدعم فيها علاجًا لا بد منه لتفادي الإفلاس.
تلجأ الدول إلى رفع الدعم لعلاج التشوهات التي لحقت باقتصاداتها، وللحفاظ على النقد الأجنبي، فتلجأ إلى حزمة من الإجراءات والقرارات لحماية نفسها من الانهيار. وتتعدد الأسباب، منها خلق توازن، والهروب من مخاوف التضخم والاحتكار والمضاربة، أو تنفيذًا لسياسات صندوق النقد الدولي لتحقيق إصلاح اقتصادي.
هنا نتحدث عن دولة قائمة ومستقرة، لها سلطة مركزية تدير شؤونها وتسعى إلى تحسين اقتصادها من خلال رفع الدعم عن بعض السلع. وقد اختلفت طرق تنفيذ ذلك؛ فبعض الدول اتجهت إلى الدعم المباشر للفئات المحتاجة من خلال رفع سقف المعاش أو الراتب الشهري، ودول أخرى أصدرت بطاقات تموينية للفئات الفقيرة.
الدعم ليس إلا واحدًا من عدة إجراءات تتخذها الدول لترشيد الإنفاق الحكومي، منها تقليل الإنفاق على غير الضروريات، والحد من التوسع في الصرف، وتطبيق برامج لتعدد مصادر الدخل، وعدم المبالغة في الإنفاق الحكومي، وتقييد الاستيراد، والاكتفاء المحلي ببعض السلع، ورفع الرسوم الجمركية على السلع غير الضرورية، وتشجيع الأفراد على المبادرات الذاتية والاستثمار المحلي.
أما في ليبيا، وفي ظل وضعها الراهن، فإن سوء الإدارة، واستنزاف الخزينة العامة على أعمال غير ذات جدوى، والنهب الممنهج، والسرقات المباشرة، وقلة الخبرة، وغياب الوضوح، وسطوة الميليشيات، جعل البلاد بيئة فاسدة تفتقر إلى الشفافية، وتعاني التخبط المستمر، ما أثقل كاهل الميزانية العامة بإنفاق في غير محله.
وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا الحديث اليوم عن رفع الدعم؟
السبب أن الحكومة رصدت مؤشرات حمراء قد تؤدي إلى الإفلاس، ومع ذلك لم تتخذ أي خطوة حقيقية للحد من النزيف المالي. وبدلًا من إصلاح جذور المشكلة، اعتقد أصحاب القرار في طرابلس أن رفع الدعم قد يحل الأزمة، وهو في الحقيقة لا يحل مشاكل الاقتصاد، بل يحاول حل مشكلة الحكومة التي تورطت في إنفاق ضخم لا تقابله موارد كافية.
في ليبيا، قد يكون رفع الدعم وسيلة للحد من الإنفاق العام، لكنه ليس الوسيلة الوحيدة. فالمشكلة الحقيقية تكمن في الانقسام الإداري بين الشرق والغرب، واستمرار نزيف الميليشيات، والتوسع غير المبرر في البعثات الخارجية. وبحسب تقرير ديوان المحاسبة الأخير، فإن عدد السفارات والبعثات الليبية العاملة في الخارج يبلغ 133 بعثة، كثير منها في دول لا تربطها بليبيا علاقات سياسية أو اقتصادية أو حتى جاليات ليبية، وتضم أعدادًا كبيرة من الموظفين الفعليين أو المحليين. ناهيك عن الوزارات والهيئات وصرفياتها الذاتية، وسفرياتها التي تتسم بالبذخ، من السيارات إلى تأجير الطائرات، والسفر غير الضروري، والإفراط في التعيينات، والمحاباة، وسوء استخدام الموارد لأغراض شخصية.
رفع الدعم اليوم يُعد كارثة في ظل الانقسام وغياب خطة واضحة. نعم، هناك دول رفعت الدعم ونجحت اقتصاديًّا، لكن في المقابل أخفقت دول أخرى، كحالة سريلانكا التي رفعت الدعم عام 2022 فواجهت اضطرابات انتهت بإسقاط الحكومة. بينما نجحت دول مثل رواندا، التي رافقت رفع الدعم بإجراءات شاملة كتشجيع الاستثمار، والتدريب، وتقليص الجهاز الحكومي.
هذا النموذج لا ينطبق على ليبيا، الدولة غير المستقرة والتي تحكمها الميليشيات، وتعيش حالة من التخبط منذ عقد ونصف. رغم ذلك، كان بإمكان ليبيا إعفاء المواطنين من بعض الرسوم مثل الوقود والكهرباء والغاز بدلًا من التفكير في رفع الدعم، خاصة أن السلع الأساسية كانت مدعومة. فلماذا لم تُحْيَ مؤسسات مثل صندوق السلع التموينية؟ لقد رُفِع الدعم عن أغلب السلع الأساسية، ومع ذلك ارتفعت الأسعار بشكل لا يتناسب مع دخل المواطن.
منذ عام 2012 حتى عام 2024، أنفقت الحكومات أكثر من ألف مليار دينار – أي أكثر من تريليون – دون وجود إنجازات حقيقية تبرر هذا الإنفاق. والمفارقة أن حكومة الشرق الليبي، رغم ندرة الموارد وتقييد المصرف المركزي والحكومة في طرابلس لواردات النقد الأجنبي، تجاوزت النهضة الاقتصادية هناك الغرب الليبي بمراحل، وذلك بفضل ترشيد الإنفاق والحد من الفساد المالي والإداري.
لا يمكن وصف حكومة طرابلس بالحكومة الفعلية، ولا الدولة بالدولة الحقيقية، لتشرف على برامج اقتصادية ذات جدوى. بل يبدو أن الحديث عن رفع الدعم يهدف في جوهره إلى دعم الحكومة نفسها، لا دعم الاقتصاد، حتى تُجهِز على ما تبقى من خزائن الدولة ومدخرات المواطنين، إن وُجِدت.
المعالجات الاقتصادية يجب أن تُنفَّذ في بيئة مستقرة، ومن خلال حكومة كفؤة وشفافة، تضع خطة شاملة لإنقاذ اقتصاد مهترئ. أما من تسبب في هذا الوضع الكارثي، فلا يحق له التحدث عن العلاج. وإذا كانت الحكومة تريد رفع الدعم، فعليها أولًا أن ترفع يدها عن الشعب، بعد أن أوصلته إلى حافة الفاقة. وما تحقق في الشرق من نهضة نأمل أن يعمَّ ليبيا، دون اللجوء إلى رفع الدعم، الذي قد يكون أحد الحلول.
