ما الإنسان؟ المداخلة الخامسةَ عشرةَ: في منهج التفكير – الجزء الأول

بقلم/ مهدي امبيرش
الحديث في منهج التفكير يقودنا بداهةً إلى العمليات التي تتم في الذهن والتي بها تنتج الأفكار، إلا أن الذهن من حيث تكونه البشري يبدو واحدًا، إلا أن هذه العمليات التي تتم في الذهن تصدر عن هذه الملة أو منهج التفكير الذي سبق أن ذكرنا أننا نستخدم مجازًا، اللسان، الذي قلنا إنه ليس الجارحة المعروفة، بل هو هذه العمليات التي بها تختلف الأمم، فالاختلاف بين الأمم هو اختلاف في الألسن، أي في هذه العملية كلها وفي الكلام، الذي ذكرنا في أكثر من موضع أنه ليس اللغة، حتى أننا قلنا إن العبرةَ في العربيةِ باللسان وليس اللغة، مشيرينَ إلى حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليست العربيةُ لأحدكم بأبٍ أو بأم، إنما العربية اللسان)، ونفهم من هذا أن اللسان هو منهج التفكير، وأن اللغة سواءً أكانت مصوتة أم إشارات أم علامات أم رموز ليست سوى الوسائط للتعبير عن الأفكار، ومن ثَم يبقى من الممكن أن نتعلم لغة قومٍ ولكن ربما من المستحيل تعلم لسانهم، فالاختلاف إذًا اختلافٌ بالألسن، أو بالأحرى، اختلاف في منهج التفكير، وإن كان ذلك لا يحول دون ربط الكلام بما هو مشيئة وإرادة بالألفاظ أو وسائط التعبير أو العبور.
إن العملية إذًا لا تتوقف عند الظاهرة الإعرابية، أي القواعد، فتلك عملية وصفية هي تحصيل الحاصل، وسر ضعفنا في منهج التفكير أننا توقفنا عند الإعراب الوصفي أو عند قواعد البيت دون أن نعود إلى هذا المنهج الذي حدد خريطة بناء الجملة ثم الألفاظ التي هي مواد البناء ثم تحويل ذلك إلى مبنى الجملة أو العبارة في تلكم العلاقة التي فرقنا فيها بين عملية التكون في العربية والتخلق من خلال الخلايا والأعضاء حتى إننا نقول إن الجملة بمثابة عضوٍ في جسم العبارات، وقولنا الجسم في العربية لا نقصد به الجسد الذي هو مكون عضوي قبل أن يكون حيًّا، وأن العبرة هي بالروح التي تجعل الكلام خصيصة الإنسان وأن تعطينا صلاحية التفكير في فلسفة للسان العربي من خلال منهج التفكير العربي، أن استعارتنا للبيت لا توقفنا فحسب عند الذي يقول عنه أرسطو إنه الوجود بالقوة، والذي يصير وجودًا بالفعل، وهنا البيت في حال تمام البناء بل سنذهب أبعد إلى الجانب الجمالي الإبداعي، والذي أشرنا إلى الخطأ في الفصل بين عملية البيان والبلاغة، فالبلاغة مرتبطة بعملية البيان أي بقدرة الإنسان على التبيين، وهي ليست عملية سهلة، بل تحتاج إلى جملة من المعارف، ومن بينها عملية التبين التي يقول عنها البعض إنها الخطاب، فالخطاب عملية مشتركة بين الطرفين، أي عملية حوار، والمد في خطاب يعطي هذا المفهوم، لأننا إذا أزلنا هذا المد في الألف والألفة ارتد الخطاب إلى خطب أو كارثة، كالذي يوصف بالخطاب الداخلي أو الخطاب الواحدي أو الخطاب الثنائي دون مرجعية، وهو ما أشار إليه القرآن في اشتراطه بإلقاء السمع والحضور، وقد ذكرنا أن الإلقاء يكشف عن إرادة ووعي بكل معطيات الخطاب، وفي قوله تعالى (وهو شهيد) يأتي التعبير بجملة الحال الاسمية فهو ليس شاهدًا وليس شهيدًا بل وهو شهيد مع المبالغة في المفهوم الذي يفرق بين الشاهد والشهيد، أو بين الرؤية بالتاء المربوطة والرؤيا بألف الإطلاق التي تعطينا بعد مستقبلية الخطاب، أن الجانب الجمالي في عملية التعبير يجب أن ترتبط بعملية الإعراب نفسه، الذي يعترف المختصون في قواعد اللغة، دون النحو، أن الإعراب فرع المعنى والمعنى أبعد من المفهوم، فإعراب الجملة قد يعطي مفهومًا محدودًا، ولكنه لا يذهب إلى كل العمليات التي ذكرناها والتي هي مقاربة للمعنى، الإعراب المفهومي هو ما نقول عنه منطق الجملة، أما ما نذهب إليه فهو فلسفة اللسان الذي قصَّر فيه أغلب الباحثين في العربية، سواءً الذين توقفوا عند اللغة وقواعدها، أو الذين قبلوا بالفصل بينها وبين البلاغة، مع أن البلاغة مرتبطة بالمفهوم إضافةً إلى الاهتمام بالرمز الخطي والإشارات الإعرابية والعلامات على منهج التفكير.
