الصراع المحتدم في تركيا
بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يقود عدوانا على سوريا، يؤسس لقواعد عسكرية على عمق التراب السوري، ويتقاسم الفضاء العربي السوري مع العدو الصهيوني الذي يشرف على دمشق لقضم مساحة متسعة تلحق بالإمبراطورية التركية في اتجاه الجنوب حتى أراضي الحجاز، ولا يضيره أن يتوافق مع تحقيق مفهوم الشرق الأوسط الجديد الذي ينفذه نتنياهو رئيس حكومة العدو الصهيوني، بعد الإبادة الجماعية الثانية لقطاع غزة والذي تآمر على ليبيا، بمشاركته الفعلية مع الحلف الأطلسي.
وهو الآن يمر باختبار في مرحلة حرجة سياسيًا، خاصة مع اقتراب الانتخابات القادمة وتزايد التحديات التي يواجهها حزبه (العدالة والتنمية) مع تراجع شعبيته، وفقًا لاستطلاعات الرأي العام.
ويحاول أردوغان اتخاذ خطوات استباقية للحفاظ على سلطته، بما في ذلك استخدام مؤسسات الدولة والقضاء؛ لتضييق الخناق على خصومه السياسيين، مروجا اتهامات الانقلاب المدني التي تثار في المشهد التركي اليوم التي تأتي في سياق محاولات تقويض نفوذ المعارضة، وخصوصًا رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يعتبر أبرز منافسي أردوغان على الساحة السياسية، فبعد نجاح المعارضة في السيطرة على بلديات كبرى مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير، أصبح واضحًا أن حزب العدالة والتنمية يواجه صعوبة في استعادة قبضته على الحكم المحلي، وهو ما قد يشكل تهديدًا على مستقبله السياسي على المستوى الوطني.
وكيف للمعارضة أن تحد من تغوله وهو الذي يرى في نفسه خليفة المسلمين الذي سيدين له العديد ممن يبنون مقدمات الإمبراطورية الجديدة القديمة في المستعمرات القديمة في شمال أفريقيا ومن ليبيا بالذات التي تحولت إلى قواعد عسكرية في الغرب منها وشركاته المخابراتية التي تدير مؤسسات اقتصادية للمنتوجات التركية مقبولة المنافسة مع الإنتاج الصيني، أما الشرق العربي فبدايات امتداد الإمبراطورية تثبت في حلب والخط الساحلي بالتواجد الفعلي مدعوما بالنشاط الاقتصادي ومظهره التعامل بالليرة التركية وعلى هذا المنحدر الذي يتسابق عليه المشهد التركي السياسي.
فإن المتابعين المستقلين والدبلوماسيين ورجال الإعلام يرون أن السلطة المطلقة التي منحها أردوغان لنفسه وكيّفها عبر تحويرات دستورية متتالية في الأعوام السابقة، جعلت منه قوة أحادية وتمكن بارونات المال من إحكام السيطرة على جميع مؤسسات الدولة التي هيمن عليها عناصر من حزبه. ويعرف الشعب التركي وسائل وطرق هذا التواجد الذي يأتي نتيجة تجارب الحزب في البناء الأيديولوجي المستفاد من مشروع أحزاب الإسلام السياسي من المغرب إلى قيادات حزب الإخوان المسلمين المتواجد في تركيا بدعم بريطاني وأمريكي لكنه اليوم تضيق عليه الحلقة الشعبية ذات المعارضة القوية والنشطة لإسقاطه في الانتخابات القادمة وبعملية بارزة في الشارع ومسبقة ليجد نفسه أمام معادلة معقدة، حيث لا يستطيع التخلي عن قبضته.
وفي الوقت ذاته يواجه ضغوطًا متزايدة من الشارع والمعارضة وحتى من الداخل. حزبه في تصارع الأجنحة سيما ممن همش من قياداته السابقة والتي انشقت عن سيطرته على الحزب بقبضة حديدية لكونه الأوحد وبعض أقاربه الذين
يغطون النشاط الاقتصادي في منافسة بعض المؤسسات الصناعية والمالية وينتظر المراقبون اللعبة التي سيديرها أردوغان وهل سيتمكن من تجاوز هذه المرحلة الحرجة بأساليب تتهم قادة المعارضة بالفساد، أم أن البلاد ستشهد تصعيدًا سياسيًا قد يُعيد تشكيل المشهد بالكامل؟.
وهل الحزب الجمهوري المعارض سيستفيد من الانتخابات السابقة ويقود المعارضة دون أن يجذبها أردوغان وحزبه بوسائل المال والإغراء بالمناصب؟.
وهكذا للأسف تسقط الشعوب بسبب وسائل هذه الديمقراطية المزيفة ذات الأدوات الحزبية، وتفشل إرادة الشعوب المغيبة عن دورها في أن تصبح هي الفعالية الحقيقية ضمن المفهوم المناسب للاختيار الديمقراطي الشعبي الصحيح دونما تدجيل.