ما الإنسان؟ المداخلة العاشرة: في سؤال الوجود والكينونة
مهدي امبيرش
لقد كانت مداخلاتنا السابقة تحت السؤال الكبير: ما الإنسان؟ تكون هذه المقاربات التي تحيلنا إلى اللسان العربي بالنظر إلى أنه يكشف عن العمليات التي تجري في الذهن والتي تتم من خلال منهج التفكير ومن ثَم الروح، وهذه كلها تصدر عنها الطاقة بكل معطياتها التي بها تعبر الأفكار، على أساس أن اللغة، سواءً المصوتة أم غيرها، هي علامات مدركة تحيلنا إلى هذه العمليات.
لقد أكدنا مرارًا أن اللسان العربي في بعضه يخضع إلى قانون الفيزياء وقانون الحياة، سواءً الذي أشرنا إليه ونحن نتحدث عن التفاعلات الفيزيائية والكيميائية في الذهن أم الخلايا الحية، ومن ثَم قلنا إن القانون الذري الذي يكشف عنه اللسان ليس سوى بداية تخلق العملية البيانية، وأن النفس أو الحياة في الخلايا هي الطور الثاني من أطوار العملية البيانية تقابل عملية أطوار خلق الإنسان، من تراب، والتحولات التي تمت من طين إلى حمأ مسنون، ثم الماء الذي يرتبط بالحياة في قوله تعالى “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ”، ونقصد بالشيء الجانب المادي الفيزيائي، وأنه يصير حيًّا بالماء، هنا نصل إلى الطور البشري في خلق الإنسان، أي خضوعه إلى قانون الحياة (biology)، والطور الأخير في خلق الإنسان هو نفسه الطور الأخير في العملية البيانية، أي الروح التي يصل فيها البشري إلى الإنسان.
إن هذه الروح التي هي من أمر الله وإن كانت واحدةً إلا أن لها أنواعًا هي التي تحدد اختلاف الأمم مثل اختلاف الألسن، كل أمة لها لسانها أي روحها، وهي التي تعرف في اللغة اليونانية بـ(Ethos)، ومن ثَم مثلما تطور الخلق في الأطوار التي ذكرناها والتي يقابلها تطور في اللسان، فإنه يمكن الارتكاس، أي العود إلى نقطة البدء، حيث تضعف الروح ويتحكم قانون الحياة، وقد يضعف هذا كذلك، فيهبط إلى قانون الفيزياء المحض، وربما أدنى في قوله تعالى “ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ” أي أدنى من طور الدواب ومن طور الحجارة التي تتشقق فيخرج منها الماء أو تهبط من خشية الله، هنا نعود إلى هذا العنوان الفرعي في الوجود والكينونة، وهذا السؤال الكبير يرتبط تمامًا بالعلاقة بين مشروع الفلسفة وموضوع المنطق، حتى أن كل النظريات الفكرية حتى اليوم تتأسس على سؤال الوجود والكينونة والمصير، وسنذكر في المداخلات القادمة تأكد ما ذهبنا إليه من أن كل مدارس التفكير حتى اليوم تبدأ من البيان واللغة ومشكلة المعرفة وإشكالاتها.
إن المعالجات التي تتم في هذا المجال ترتبط بداهةً بقضية المعرفة وقضية التفكير والتعبير، وإنها كلها وقعت في إشكالات ما نقول عنه إنه اللاهوت أو الشرك المنهجي المرتبط بفهم الإنسان بنفسه والكون، حيث كان التصور أن الكون مركب من ثنائية السماء والأرض ومن الفراغ الذي تكون اللغة فيه الوسيط بين المعنى المفارق وبين المفهوم المدرك، وسنتناول في هذا الإطار محاورة (مينون وطيماوس عند أفلاطون) وما يسمى بسفر التكوين عند اللاهوت العبراني، هنا يتميز اللسان العربي بهذه المعطيات التي ذكرنا، وكما علمنا الحق تبارك وتعالى، إنه لسان مبين، وإنه غير ذي عوج وأن العلاقة فيه ليست علاقة تركيبية بين الثنائية أو الثالوث ضمن المركب التركيبي القديم المتجدد، أي عملية ذرات فيزيائية وتركيب قابل للتفكيك، ومن ثم تكون النزعة الاستقلالية في الذرات كما ذهب إلى ذلك كلٌّ من لوقيبوس وديموقريطس في حوالى القرن الخامس قبل الميلاد والذي نقرأه اليوم في النزعة المادية الاستقلالية في الخطاب الليبرالي وفي القول بالمساواة الحسابية، وهي نفسها التي قال فيها ديموقريطس من أن الذرات متساوية من حيث الجوهر، وإذا كان هناك اختلاف فيأتي في الحجم والشكل، وهو نفسه ما تقول به الليبرالية في ادعاء الاستقلالية الفردية والمساواة الحسابية الذي نتج عنه من حيث الأحكام ما يسمى بالاستقرار، فما دامت الذرات متساوية والأفراد كالذرات فيمكن الحكم على الكل من خلال الجزء، وفي المقابل تكون النزعة الاستنباطية أي الحكم على الجزء من خلال الكل، وهو الخلاف الذي تم بين الأطروحة الذرية الأمريكية والشمولية الشيوعية.
إن أكثر من مداخلة سوف نحتاج إليها في تناول الأبعاد التي تعطيها لنا (إنَّ) وتمظهراتها، من حيث إن (النون) في إنَّ تدل على الموجود من الوجود، وإن التضعيف تأكيد للموجودية كما ذكرنا في المداخلة السابقة، وإن (كان) سوف نتناولها من خلال المفاهيم التي يعطيها حرف الكاف والمد والنون، وهو غير (كأن) التي من تمظهرات إِنّ، بهمزة القطع وهي غير ألف المد في (كان).