دبلوماسية ترامب!!

بقلم/ مصطفى الزائدي
الحوار الساخن داخل المكتب البيضاوي في البيت الأبيض المقر الرئيسي لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية بين دونالد ترامب ونائبه فانس والرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، الذي أثار كثيرًا من ردود الأفعال المختلفة، حيث اعتبر بثه على الهواء عملًا مخططًا لإهانة عميلهم زيلينسكي.
الحوار كشف حقيقة الطريقة التي يتعامل بها الرؤساء الأمريكان مع عملائهم من الدول الأخرى المستقلة شكليًّا، ويكشف الطبيعة المتغطرسة التي تمارسها الإدارات الأمريكية في مطالباتها بالاستحواذ على ثروات الشعوب الأخرى، وحجم تهديداتها المباشرة في سبيل تحقيق غاياتها.
الغريب في الأمر ليس الحوار في حد ذاته، لكن أن يقدم الرئيس ترامب على بث ما كان يدور خلف الأبواب المغلقة من حوارات بين الإدارات الأمريكية ومن يزورها من قادة الدول الأخرى على الهواء مباشرة، ففي الماضي كانوا يقولون نفس كلام ترامب في الغرف الخاصة ويحصلون على ما يريدون، ولكنهم يخرجون أمام الإعلام وابتسامة صفراء تعلو وجوههم ويعانق بعضهم البعض في مظاهر نفاقية.
أذكر من ضمن الأشياء التي حدثت في لقاءات الرؤساء الأمريكيين بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبروز الخلل الكبير في ميزان القوى الدولي، في عهد جورج بوش الأب أن رئيس الصين وقتها كان حاضرًا اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وطلب لقاءً مع الرئيس جورج بوش الأب، وتقرر تحديد اللقاء في البيت الأبيض لمدة 15 دقيقة، وكان المحللون السياسيون وقتها في القنوات الأمريكية وغيرها يتساءلون ماذا سيناقش الرئيس الصيني في 15 دقيقة مع الرئيس الأمريكي إذا احتسب منها وقت الترجمة يبقى زمن المقابلة في حدود عشر دقائق كحد أقصى! وهل كان وقت الرئيس الأمريكي مملوءًا إلى حد لا يستطيع أن يخصص أكثر من عشر دقائق لرئيس أكبر دولة سكانًا في ذلك الوقت، دولة تتجه بخطى حثيثة لمنافسة الولايات المتحدة اقتصاديًّا وعسكريًّا وعلميًّا.
ما حدث للرئيس الأوكراني ليس حالة خاصة ونادرة، بل هي آلية تعامل رؤساء الولايات المتحدة والدول الغربية الاستعمارية بشكل عام مع ضيوفهم من عملائهم.
وهنا أورد حكاية حدثني بها أحد قيادات ثوار فبراير، وهو حي يرزق، بأنه تم استدعاؤهم في شهر يونيو من عام 2011م إلى قصر الإليزيه وخرج لهم الرئيس ساركوزي غاضبًا، وقال لهم كلامًا غليظًا جدًّا لم يسمعوه من قبل، وطلب منهم أن يحسموا المعركة خلال أسابيع وإلا سيبعدهم من المشهد.
لا شك بوجود اتفاقات بين المجلس الانتقالي وقتها والدول الغربية الكبرى أمريكا وبريطانيا وفرنسا مكنتهم من الثروات الليبية، تمامًا كما نراه اليوم من مطالبات ترامب لزيلينسكي بضرورة توقيع اتفاقية استيلاء أمريكا على ثروات أوكرانيا من المعادن النادرة.
الحادثة -إضافة إلى حوادث أخرى- تبين العقلية الاستعمارية في التعامل مع عملائها، لأنهم يعتبرونهم مجرد موظفين صغار عليهم أن ينفذوا ما يطلب منهم، وليس من حقهم الحوار والنقاش، يتضح ذلك جليًّا في تفاصيل حوار زيلينسكي مع ترامب ونائبه، فلم يقبلا منه مجرد أفكار بسيطة، فكلما ذكر جملة يحاول بها أن يوضح موقفه من التفاوض مع الروس يقاطعونه على الفور وبشكل استفزازي وتوبيخي.
يا ترى كيف يعامل القادة الغربيون أعداءهم؟
من الصعب معرفة تفاصيل الحوارات بين القادة الغربيين وخصومهم من الدول الأخرى، فلم يظهر في الإعلام شيء من هذا القبيل، لكن يمكن أن نستنتج بعض الوقائع التاريخية كما دار في المفاوضات بين هينري كسينجر والقائد الفيتنامي لي دوك تيو، والتي انتهت بخروج مذل للقوات الأمريكية من فيتنام وتركوا عملاءهم في مطار سايجون في مشهد تكرر نسخ لصق في خروجهم المذل من كابول، أثناء المفاوضات في باريس رفض الفيتناميون الإقامة في الفنادق الغربية وفضلوا السكن في بيوت الطلبة مع بعض من الطلاب الفيتناميين الذين يدرسون في باريس.
وكذلك الحوار الذي جرى بين السلطات الليبية والأمريكية لإنهاء ملف لوكربي، فكان الجانب الأمريكي يسارع إلى تقديم اقتراحات والقبول بكافة المطالبات الليبية دون تأخير.
يقول فيديل كاسترو الغرب تمامًا مثل كلاب الحراسة إذا هربت أمامهم يستمرون بمطاردتك، وإن وقفت لهم سيتوقفون، ويقول أيضا إن الموقف الصحيح هو مواجهة الإمبريالية وعدم الرضوخ لها، أما محاولة استرضائها فستقود إلى مزيد من العدوانية منهم، فلو أعطيتهم إصبعا فسيلتهمون اليد، وهكذا إلى أن يلتهموك تمامًا، الأفضل عندي أن تقول لهم شكرًا لا نحتاجكم، وهكذا كان موقف كوبا الجزيرة الصغير في الكاريبي التي تظهر في الخريطة كنقطة بين فكي وحش كبير طيلة سبعة عقود، كوبا الصغيرة الجزيرة محدودة السكان والموارد تقف صامدة في وجه الوحش الأمريكي.
لقد حقق لقاء ترامب بعض الشعبية والمصداقية لزيلينسكي بسبب الصلف والغطرسة التي ووجه بها، فقط لأنه حاول أن يقول لترامب لا بصوت منخفض!
لكن الأهم أن ترامب المأخوذ بعزة الإثم، كشف ما كان يدبر للشعوب خلف الأبواب المغلقة!
