مقالات الرأي

الجامع في الأسر

بقلم/ عفاف الفرجاني

رغم اختلاف الطبقات الاجتماعية والمستويات التعليمية، تبقى لخطبة يوم الجمعة نكهة خاصة في تلقي الموعظة ومعالجة النفس وغسلها من الهموم لدى سائر المسلمين، إلا أنه وسط هذه الحياة وتسارع أحداثها أصبح الفرد يبحث عن نفسه وسط عالم الروحانيات كتحصين للذات في اتجاه إشباع فكري شخصي يرغبه، أنا واحدة من هؤلاء البشر الذين يجدون أنفسهم وسط هذه الفوضى الحياتية محتاجين إلى طاقة إيمانية عالية تشرح الحياة اليومية وتنظمها، لإيماننا القوي أن ديننا دين قيم وأخلاق، غير أن الواقع المعيش الآن عكس ذلك، الخطب الدينية اليوم دخلت المعترك السياسي، فبدلا من تناول أبرز حدث وقع ما بين الجمعة والجمعة، نجد اليوم الخطب تعيش اغترابًا دينيًّا وروحانيًّا، وأصبحت بعيدة كل البعد عن الناس والمجتمع ومشاكلهم وظروفهم.

إن هذه المنابر كانت ولا تزال ضرورة شرعية اجتماعية سلوكية نحتاجها، نحن اليوم أمام معركة ممنهجة تستهدف القيم والمبادئ والأخلاق، ما يقبلها من المفروض قادة الفكر والعقل والمنطق من علماء الأمة وشيوخها، ما يقدم اليوم من خطب المنابر لا يلبي المستوى المطلوب لفوضى الشارع.

ما جعلني أكتب في هذا الموضوع جلوسي أمام إحدى القنوات التلفزيونية المعروفة جماهيريًّا ومن بيت الله تنقل الخطبة التي كانت تسبق أول يوم من شهر رمضان، تكلم الخطيب عن أهمية الشهر الفضيل وتكلم بإسهاب عن مبطلات الصيام… الخ.

إلا أن شيخا ذكر كل ما يخص رمضان حتى أنه أفتى بوجوب صحة الصيام عند وضع قطرة الأذن من عدمه! ولكنه لم يعظ الناس وتغافل عن مشروعية الصيام في بيت مغتصب من أهله، لم ينه الناس عن الأكل والإفطار بمال الحرام الذي يغتصب من قوت الشعب.

الشيخ المعتلي المنبر لم يعظ جمهوره بأن من يحمل مظلمة فليردها إلى أهلها فالصيام يعني التوبة.

خطباء الأوقاف أيضًا عندنا يحملون نفس الظاهرة، لم ينه الإخوة عن أكل حق أخواتهم من الميراث، وركزوا على جزئية هل الصيام بدون حجاب للمرأة حلال أم حرام! 

شيوخ الجوامع في خطبهم اليوم ينقسمون فرقًا وأحزابًا، وتقام داخل المنابر وخارجها حروب ويكملونها إلكترونيًّا، عن ماهية الزكاة، هل تعطى قمحًا أم شعيرًا أم تسلم نقدًا، وتناسوا أن بعض المال (الحرام) لا تخرج منه زكاة ولا صدقة، لا قمحًا ولا شعيرًا.

أبطال المنابر يؤكدون على صلة الرحم وبر الوالدين ومشاحنات الكنة وحماتها، ولم يخبروا الناس بواجبهم تجاه الجار والعامل.. والمُقعَد والأعمى واليتيم الخ.

من يعتلون المنابر يتحدثون عن العقوق ولم يحدثوا الناس عن مسؤولية الأب تجاه أولاده الذين يخوضون معارك القيم والأخلاق وسط مطالبة المجتمع لهم بطاعة الوالدين، وهم يتخبطون بين الحلال والحرام والصح والغلط، خطباء المسلمين لم يعلموا الآباء أن سرقة المال العام لن تصنع من عائلتهم سوى قنابل موقوتة قابلة للاشتعال، لأن شرارتها ذاك الزقوم الذي يتطفحه أبناؤهم.

وأخيرًا رسالة لنجوم المنابر..

عليكم أن توضحوا للناس أن الدين معاملة وأخلاق وسلوك، وليس أداء للصلاة والصيام والزكاة.. الخ.

فالذي بينك وبين خالقك شيء هين، ورحمته سبقت عذابه، إلا أن مظالم العباد لا هروب منها إلا برد الظلم وإعادة الحقوق، وهذا اختصاصكم، منذ سنين لم أسمع واعظ جمعة أو خطيب جمعة يتحدث عما يفيد صحة المجتمع نفسيًّا، لم نسمع عن أحد يتحدث عن أهمية الابتسامة وقول الكلمة الطيبة في وجه أخيه المسلم، فالابتسامة إحدى طرق علاج الأحقاد بين أبناء الشعب الواحد، فهذه أقل عظة يمنحها الشيخ من منبره، فهي دعوة إلى التسامح والحب.

لم نسمع يومًا عن تابوهات فتحت لإنارة البصيرة، بل نرى التعتيم المتعمد للقيم التي تنهار يومًا بعد يوم، والكوارث الاجتماعية التي تهز المجتمع، والمنبر الديني مغيب عنا وعن نفسه.

ولكن أرجع وألتمس لكم العذر، فالمهنة ممتعة، لا توجد مهنة أسهل من أن تكون موظفًا في الأوقاف وتحمل صفة خطيب جامع، وأنت داخلٌ سلامًا يا شيخ، وأنت مغادرٌ في أمان الله يا شيخ، لا يجمعنا بكم إلا تلك الصورة الجميلة بين السقف ونقوشه الإسلامية وأرضية سجاد تركي وألوانها المبهجة.

زر الذهاب إلى الأعلى