سلطة القاضي الإداري في مواجهة سد النقص التشريعي وتوجيه الإدارة

بقلم/ غادة الصيد
إن اختصاص القاضي هو الفصل في المنازعات المعروضة عليه، وذلك بتطبيقه نصوصًا قانونية أعدت سلفًا، وإذا كان ذلك متاحًا للقاضي المدني في الغالب الأعم، فإنه ليس كذلك بالنسبة للقاضي الإداري في كثير من الأحيان، فقد يجد نفسه في حالة فراغ تشريعي، أي لا يجد النص القانوني الذي يطبقه على النزاع المعروض عليه، رغم التزامه بالفصل في النزاع، دفعًا لحالة إنكار العدالة، وإذا بحثنا عن الأسباب التي تكمن وراء الفراغ التشريعي الذي يصادفه القاضي الإداري، فإنه يمكن القول إن طبيعة القانون الإداري ذاته تسهم في ذلك، فهو يتعلق بجوانب حديثة ومتجددة من حياة الناس، تترتب عليها إشكاليات غير مسبوقة، قد لا تسعف النصوص القانونية الموجودة في حلها، إضافة إلى تأخير المشرع في ملاحقة تلك التطورات، بسن القوانين الإدارية التي يجب تطبيقها، كل ذلك لعب دورًا كبيرًا في وجود الفراغ التشريعي.
ومما لا شك فيه أن القضاء الإداري كان له الدور الكبير في إنشاء القواعد القانونية، وذلك من خلال تقريبه للحلول التي تضمنتها الأحكام القضائية التي صدرت عنه عند الفصل في منازعات متعددة ومتماثلة، وقد عبرت المحكمة العليا اللبيبة عن حالة الفراغ التشريعي الذي يواجه القاضي الإداري وعن دوره في ابتداع الحلول المناسبة التي تمكنه من الفصل في النزاع، بقولها (فإذا لم يجد فلا يلتزم القاضي الإداري بتطبيق القواعد المدنية حتما، وإنما تكون له حريته واستقلاله في ابتداع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ في مجال القانون العام بين الإدارة في قيامها على المرافق العامة، وبين الأفراد، فله أن يطبق من القواعد المدنية ما يتلاءم معها، وله أن يطرحها إذا كانت غير متلائمة معها، وله أن يطورها بما يحقق هذا التلاؤم)، فقد نصت المادة (31) من القانون رقم (6) لسنة 1982 بشأن إعادة تنظيم المحكمة العليا وهو القانون الساري على أن: (تكون المبادي القانونية التي تقررها المحكمة العليا في أحكامها ملزمة لجميع المحاكم وكافة الجهات الأخرى في ليبيا)، ويفهم من ذلك أن قضاء المحكمة العليا من المصادر الرسمية للقانون، وأن له الكلمة النهائية في فهم القانون وتفسيره، وتأصيل أحكامه، وتنسيق مبادئه، واستقرارها، وضرورة الالتزام بها ليس من المحاكم فقط، وإنما على الإدارة الالتزام بتلك المبادئ، وإلا جاز الطعن في أعمالها، وفي ذلك إسهام في سد النقص التشريعي في بعض الأحيان، كما أنه ليس من مهام القاضي توجيه الأوامر للإدارة لتقوم بعمل معين أو الامتناع عن عمل ما، أو إرغامها على تنفيذ أحكامه، وحتى بصدد القضاء الكامل (قضاء التعويض) فإن دوره ينحصر في الحكم بالتعويض ولا يتعداه إلى توجيه الأمر للإدارة بالتنفيذ، كما أنه ليس من مهامه أن يحل محل الإدارة في أعمالها، فالقاضي الإداري إذا انتهى إلى مشروعية القرار الإداري يقضي برفض الدعوى، أما إذا تبين لديه ما يدل على عدم مشروعيته فيقضي بإلغائه، وينتهي عند هذا الحد، ولا يتعداه إلى توجيه الأمر إلى الإدارة بإصدار قرار صحيح، أو تعديل القرار، كما يمنع عليه الحلول محل الإدارة بإصدار للقرار.
إن مبدأ المنع يجد أساسه في مبدأ الفصل بين السلطات، على اعتبار أن اختصاص القاضي الإداري هو الفصل في المنازعات الإدارية، والحكم على مشروعية القرار الإداري من عدمه، ولا يتدخل في عمل الإدارة، التي عليها أن تلتزم بوظيفتها ولا تتعدى على اختصاصات القضاء، وبالرغم من رسوخ المبدأ، فإن الحال لا يخلو من الخروج عليه في بعض الحالات، فبعض الأنظمة القضائية تعطي للقاضي حق وقف القرار الإداري مؤقتًا أثناء نظر الدعوى، بالرغم من أن القرار يعد نافذا من وقت صدوره، ولا يكون للطعن فيه أثر في ذلك، بما يكون معه الوقف وسيلة لمجابهة الإدارة، التي يكون قرارها على المحك بين إقرار شرعيته أو إلغائه، بحيث لا تستفيد في حالة وقف القرار من بت الفصل في موضوع الدعوى.
وقد يأخذ الخروج عن المبدأ صورة تعديل القرار الإداري، فيحكم القضاء بإلغاء جزء من القرار، والإبقاء على الجانب الآخر منه، كما هو الحال إذا ما قضت المحكمة بصحة قرار الترقية مثلا وعدلت تاريخ سريانه، ففي هذه الحالة حلت المحكمة محل الإدارة في تحديد تاريخ سريان القرار، وهو جانب مهم فيه من صميم عمل الإدارة ورغم أخذ النظام القضائي بالحظر الذي يمنع القاضي الإداري من توجيه الإدارة أو الحلول محلها، فإن القانون رقم 88 لسنة 71 بشأن القضاء الإداري نص على استثناء من هذا الحظر فقد نص في مادته السابعة على أنه (لا يترتب على رفع الدعوى أمام دائرة القضاء الإداري وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، على أنه يجوز للمحكمة أن تأمر بوقف تنفيذه إذا طلب ذلك في صحيفة الدعوى، ورأت المحكمة أن نتائج التنفيذ يتعذر تداركها) فوقف القرار الإداري كما يظهر من النص يطلبه الطاعن ضمن صحيفة الدعوى، ولا يقبل منه استقالة، كما لا يستطيع القاضي أن يأمر به من تلقاء نفسه، ولا يأمر به إلا إذا ترجح لديه أن الاستمرار في تنفيذ القرار يرتب نتائج لا يمكن تداركها، على أن الوقف مؤقت يتزامن مع الوقف الذي يستغرقه الفصل في موضوع الدعوى، وبناءً على ذلك فإن على القاضي أن يرسخ قاعدة رقابة القضاء على أعمال الإدارة في التزامها بالمشروعية الإدارية بشكل صارم ولا يتعدى مهمته إلى توجيه الأمر إلى الإدارة، أو الحلول محلها لعمالها، محافظة منه على الحدود الفاصلة بين السلطات، وحتى يترك الأمر للسلطة التشريعية لتقوم بمهامها بما يخدم الفرد والإدارة ويصون الحقوق.
