رمضان نفحات وعادات

بقلم/ عبد المجيد قاسم
شهر رمضان فسحة من الدهر، وفرصة لنظفر بأنفسنا أيامًا معدودات، نتحرر فيها من قيود الدنيا ومغرياتها وشهواتها، فنسمو إلى عالم الأرواح، ونصبح أقرب إلى بارئنا.
ورمضان شهرٌ للعبادة، ليله ونهاره، فالمسلم منذ دخول الشهر حتى خروجه في عبادةٍ مستمرة، يمضي النهار صائمًا، والليل يمضيه في انتظار اليوم الذي يليه، وانتظار العبادة في ذاته عبادة، دلَّ على ذلك بطريق القياس الحديث المتفق عليه: “لا يزال أحدكم في صلاةٍ ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة”.
هذا فضلًا عن أن صلاة التراويح باتت طقسًا رمضانيًّا يحرص عليها الصغير والكبير، وهي عبادة مشروعة، وفي الحديث الصحيح: “من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه”.
فالمسلم في رمضان يؤدي فريضتين في آنٍ واحد؛ الصيام والصلاة، مع ما يتنفل به من نوافل، وما يجري على لسانه من قراءة للقرآن الكريم، وذكر، واستغفار، وربما هذا هو تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا جاء رمضان فتِّحت أبواب الجنة، وغلِّقت أبواب النار، وصفِّدت الشياطين”، فعبارة “صفِّدت الشياطين”، التي تعني وضعت عليها الأصفاد، أي الأغلال والقيود، قد تكون على الحقيقة، وقد تكون على المجاز، لأن الشياطين بانكباب الناس على فعل الطاعات تكون كالمقيدة بالقيود والأصفاد.
والأمر يبدو في أول رمضان فرحة، وانطلاقة، وتحررًا، فالروح تتوق إلى العودة إلى عالمها المتسامي عن المادة، عندما كانت تسبح حول عرش الرحمن لا قيدًا يقيدها، ولا جسدًا يحصرها، لذا يكون الجسد مطيعًا لها في أول أيام رمضان، فتغدو المساجد ممتلئة بالمصلين، وبخاصة في صلاة التراويح، وتراهم عاكفين على قراءة القرآن الكريم، فمن يختمه في الثلاثة أيام الأولى، أو الأسبوع الأول، ومن يبدأ الختمة بقراءة جزءين من القرآن أو ثلاثة أو أكثر في الأيام الأولى، أي أنَّ الانطلاقة تكون قوية لدى الغالبية، لكن النفس لا تلبث حتى تعود تدريجيًّا بعد هذا التسامي إلى ما كانت عليه، فتبدأ صفوف المصلين في التناقص، وتبدأ الحماسة لختم القرآن الكريم في الخفوت، ويبدأ الملل يتسلل إلى النفوس.
وأمر التحول التدريجي هذا مشاهَد حتى في عادات الناس، فنجد النشاط والحماسة من ربات البيوت -أعانهن الله- على تقديم ما لذَّ وطاب من الأطعمة يتناقصان تدريجيًّا، ليحل محلهما الاهتمام بمتطلبات العيد، فيتحول الازدحام والتزاحم من المساجد إلى محلات الملابس، وبدلًا من العكوف على كتاب الله، نرى الطواف على المحلات التجارية، وازدحام الشوارع نتيجة القيام بالتجهيز للعيد..
وعمومًا فهذا الأمر طبيعي، فكما أن المسلم يفرح بقدوم شهر الطاعات، فيبدي ما يعبر عن هذه الفرحة بما يناسبها، فإنه يفرح باقتراب العيد، وانقضاء موسمٍ أو شهرٍ يغلب عليه الالتزام، والتقيد، حيث يتم تأجيل كل شيء تقريبًا إلى ما بعد شهر رمضان، ولهذه الفرحة طقوسها التي تعبر عنها.
والمهم في الأمر كله هو أن نظفر بهذه النفحات الربانية التي نتنسم أريجها منذ أن يقترب هلال شهر رمضان المبارك، تلك النفحات التي تعطي للزمان قيمته، وفي الحديث: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرَّضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدًا”.
وفي الختام أسأل الله أن يعيننا على صيام هذا الشهر وقيامه، وأن يتقبل منا، وأن يعتق رقابنا من النار، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلِّ اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
