الأصابعة بين خزعبلات الموروث وأساطير الخرافة

بقلم/ فرج بوخروبة
مساكين يستحقون الشفقة والرأفة بحالهم، حملة المؤهلات العلمية الفخمة، الذين يضطرون إلى الدفاع عن خزعبلات موروثة، دوَّنها أسلاف كانوا غارقين في ظلمات الجهل!
هذه هي المباينة، فطالما أنها “خرافات” فلماذا نؤمن بها أصلًا؟ لماذا نركن إليها ونميزها على المنطق والمعقول والواقع؟ لماذا تتفوق في مصداقيتها على مستوى التعليم الجامعي والتفكير المنطقي والعلم التجريبي؟ ويبدو أننا نتمتع بعقلين متناقضين، ومسارين منعزلين تمامًا في التفكير والاستنتاج؛ العقل الأول مصدق تغلب عليه العاطفة والولاء ومسايرة المجتمع أنثربولوجيًّا، والثاني عقل ناقد يغلب عليه التفكير المنطقي والاستدلالات العقلانية والحكم المجرد، ولاحظ أنني لا أتحدث هنا عن جمجمتين منفصلتين؛ بل عن شخص واحد يملك شخصية مزدوجة، قد ينجح وقد لا ينجح في التوفيق بين عقلين متضادين.
وقد نتوصل إلى هذا الاستنتاج بعد احتكاك بشخصيات ذكية جمعت الثقافة العالية والتعليم الأكاديمي والمهني مع التصديق بخرافات موضوعة أو خزعبلات موروثة، ويمكنك التوقف هنا لتتذكر أسماء تعرفها بنفسك، كم من شخص يحمل مؤهلات علمية دقيقة وأثناء النقاش في محاكات ما وراء الطبيعة أو الماورائيات أو الميتافيزيقا وهو فرع من الفلسفة يدرس جوهر الأشياء، يشمل ذلك أسئلة الوجود والصيرورة والكينونة والواقع، فتجده منجرًّا وراء هذه الخزعبلات بشيء من الخيال الافتراضي، مصدقًا بكل جوارحه، بل يصوغ لك بعضًا من الأمثلة الدالة على وقوعه في شرك الموروث الشعبي عبر العصور المختلفة، بعيدًا عن الواقع العلمي والثقافي والوعي بحقيقة الحياة والتاريخ والحضارة!
هذه العقلية المزدوجة تجدها في كافة المجتمعات والثقافات العالمية، حيث الإيمان بأمور خرافية وبعيدة عن الحقيقة وواقع الدين، حالة تغييب اختياري للعقل والمنطق، كون التصديق بالخرافة والمستحيل يعني عدم الرغبة في معرفة الحقيقة ورؤية الواقع! ورغم أن الإنسان عاقل بطبعه إلا أنه يصدق أنواعًا مختلفة من الخرافات لدوافع كثيرة: كالنشأة والاعتياد، أو مسايرة المجتمع وموافقة الناس، أو تحقيقًا لمنفعة اقتصادية ومنزلة اجتماعية، أو ببساطة بسبب خوفه من الوقوع في الحيرة والمجهول، فبحكم النشأة والمعتاد تسيطر الخرافات على عقل الإنسان بفضل سماعها وتكرارها منذ طفولته الأولى، خصوصًا أنها تأتي من أفراد وأقارب يثق بهم أصلًا، وحين يصل إلى سن الرشد أو هكذا يقوده الوهم للتصدي، تكون الخرافة قد أحكمت سيطرتها على شخصيته وطريقة تفكيره لدرجة لا ينفع معها أي نقاش منطقي أو استنتاج عقلاني أو تعليم جامعي، حيث يطردها الجهاز المناعي للدماغ، أو يبقيها ضمن سياق فكري منفصل، أضف إلى هذا أنه بحكم مسايرته للمجتمع يصعب عليه الاعتراف علنًا بأي تفسير منطقي أو عقلاني يعارض ما توافق عليه أبناء بيئته، فهو في النهاية إنسان ذكي ومتعلم ويدرك جيدًا نتائج الخروج على المجتمع أو مخالفة اعتقاد توارثته الأجيال، والنتيجة؛ هي حتمية العيش في وضع ذهني واجتماعي مزدوج، الأمر الذي يفسر لماذا يحضر معظم الملحدين في أمريكا إلى الكنيسة في المناسبات الاجتماعية، رغم علمهم بأن الكنيسة تستقبل الإنسان حين يؤمن وتطرده حين يفكر!
أيضًا قد يصدق البعض الخرافات ويروِّج لها رغم علمه بعدم صحتها، لأنها ببساطة تحقق له منفعة اقتصادية أو منزلة اجتماعية، خذ مثلًا دعاة استخراج الجن من البشر ممن يعرفون قبل غيرهم أن زبائنهم مرضى نفسيون لم يتلبَّسهم إنس ولا جان، وخذ أيضًا بعضًا من الرجال الذين يدَّعون الدين يظهرون في وسائل الإعلام وبرامج التوجيه بينما يعيشون هم أنفسهم وضعًا فكريًّا مزدوجًا، وهذا لا يختلف عن بيع البابوات لصكوك الجنة!
أيضًا قد يصدق الإنسان الخرافات التي نشأ عليها لأنها ببساطة الوحيدة التي يعرفها ويألفها ويفسر الأشياء من خلالها، وهو يخشى -إن تركها بعد أن بلغ من العمر عتيًّا- أن يدخل في حالة تخبط وضياع وانكشاف متأخر أمام أسئلة مصيرية كبرى، وفي وضع كهذا ليس أمامه غير إلغاء عقله الناقد، والتمسك أكثر بما سمعه من جده أو جدته في سنوات الطفولة، وهكذا قد تجد عالم ذرة هنديًّا يؤمن فعلًا بأن الأرض والكواكب خلقت من دموع الآلهة فشنو! كل هذا يجعلنا على قناعة بأن الإنسان ليس مخلوقًا عاقلًا في المقام الأول، بل مخلوقًا يصعب فصله عما تبناه وألفه ونشأ عليه، وبكلام أكثر بساطة: حين يدخل الإيمان ببعض العادات من الباب يخرج العقل من النافذة!
