ليبيا وصراعات الغرب والشرق بالقارات الثلاث
بقلم/ محمد جبريل العرفي
لا تمارس السياسة اعتمادًا على النظرة القصيرة والمعزولة للأحداث، الليبي العاقل هو من لا يفصل بين اجتماع في قرية صغيرة بالجبل الأخضر أو لقاء سفير أجنبي بالجنوب أو ترسيم لحدود قبيلة مع دولة أخرى أو إثارة فتنة مذهبية أو التضييق على الناس في أقواتهم وأمنهم أو السعي للاستفتاء بإلغاء الأجسام القائمة، أو تمرير دستور (تورا بورا)، لا يمكن فصل كل هذا مع ما يجري في أوكرانيا أو في فلسطين من حرب تلمودية لتوسيع الكيان، أو في سوريا لقطع شرايين إمداد المقاومة العربية، أو ما يجري في إفريقيا من ثورات وتجنيد لتنظيمات متسترة بالدين أو حرب ترامب التجارية مع الصين.
قد يقول من على عيونه غشاوة “نحن مالنا؟ طز في الأوكران والروس والأمريكان والصينيين والأفارقة واليهود والفلسطينيين وبقية العرب”، فالرد عليه؛ ستطالنا شظايا هذه الحروب، وستُحتل كل أرضنا، ونتحول إلى عبيد وأجراء فيها، وتُفتت بلادنا، وتُنهب ثرواتنا، وتشتعل حرب مذهبية باسم الفئة الناجية، أو يردوننا عن ديننا بالاختراع الجديد المسمى “الإبراهيمية”.
وسط هذا الصراع بين الشرق والغرب، فالنهابون في بلادنا، لا يهمهم مستقبل أجيالنا، بقدر ما يهمهم ما ينهبون من أموالنا، أو ما يشبعون من نزواتهم بالجنس والخمر والمخدرات.
لنناقش الواقع في صورته (البانورامية العالمية، وفسيفسائه الليبية المحلية)، ابتداء من المنتصرين بالحرب الأوروبية الثانية، وما أسسوا من ترتيبات مالية ومنظمات دولية، وتقسيمنا بسايكس بيكو، الذي نلعن إقامته ونقدس حدوده، في تناقض يعبر عن شيزوفرانيا سياسية وعصبية قبلية، ونتدرج في الاستقراء والاستنباط إلى الهجوم على سوريا، وما بينهما يقع زرع الكيان والمؤامرات بين الأنظمة العربية، وإسقاط الأنظمة الوطنية التحررية، وآخرها استهداف سوريا كآخر قلعة لصد التمدد الصهيوني بالمنطقة.
الإحاطة بتفاصيل هذا الوضع تحتاج إلى كتب ومجلدات، وليس مقالًا قصيرًا كهذا، فيكفي ذكر العناوين لربط أحداث التاريخ، لنركز على الوضع بعد طوفان الأقصى، وهنا أيضا لن يتسع المقام لذكر من ساند ومن تآمر، ومن جاهد ومن تخلف، ومن شكك ومن دعم، ومن ضحى ومن تفرج، لكن المحصلة أنه، ولأول مرة في تاريخنا، تتم هزيمة الكيان، وبدون الأنظمة العربية، في أطول حرب ضد الكيان، ولأول مرة تُفتح سبع جبهات شعبية على العدو، ولأول مرة تتحطم هيبته، ويتولد هاجس لدى المستوطنين في عدم قدرة جيشهم على الحفاظ على أمنهم، وتتحطم السردية الصهيونية للمحرقة، فيصبح الكيان منبوذا عالميا متهمًا بجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتمييز العنصري.
عندما هُزِم الكيان في غزة ولبنان تم تفعيل الخطة (ب) فتآمر على سوريا الثلاثي الكيان وأمريكا وتركيا، لأنها لم ترضخ للإغراءات الأمريكية العربية، ولم تتوقف عن دعم المقاومة، أو تقطع علاقتها مع الروس أو الإيرانيين، ولم ترض بالتطبيع مع تركيا، قبل خروج آخر جندي تركي من سوريا، فحركوا عملاءهم ضد سوريا، لقفل الحدود مع العراق من أجل وقف انسياب الإمدادات العراقية والإيرانية، وتمزيق سوريا، والهدف الثالث إشغال روسيا في منطقة أخرى تؤثر على قدراتها في حربها بأوكرانيا، والساحة الثالثة للصراع هي إفريقيا، التي تشكل ليبيا مفتاحها بموقعها على شاطئ المتوسط وعمقها لجنوب الصحراء، والتي أراضيها ومياهها وأجواؤها مستباحة للأجنبي، بفعل الصراعات بين المتحكمين في المشهد، ونشاط تنظيمات إرهابية على حدودها الجنوبية يحركها الغرب لتحقيق مصالحه، لخلق فوضى تمزق ليبيا.
لا يمكن عزل هذه الساحات الثلاث عن الإجراءات المتسارعة لرئاسي المقاتلة وحكومة النكبة الوطنية للاستيلاء على السلطة، بالاستفتاء الإلكتروني على حل مجلس النواب، ولتمرير دستور (تورا بورا)، وخلق أجسام اجتماعية جديدة للعبث بالحاضنة الاجتماعية، وإشعال الفتنة المذهبية، والتضييق على الناس في قوتهم وخدماتهم وأمنهم، ونهب ثرواتهم وإفقارهم، هذه الإجراءات وغيرها تمهد الأرضية لتحويل ليبيا إلى قاعدة لتنفيذ المخطط الصهيوني الانجلو ساكسوني، يضاف إليها وجود قواعد للناتو، وجنود أتراك ومرتزقة سوريين، ووجود تيار إسلاموي مدعوم من تركيا والغرب، ممول ومسلح من قبل حكومة النكبة الوطنية، يدعم علنًا أفرعه بسوريا، فلا يستبعد أن تستنسخ الحرب السورية في ليبيا، بتحريك خلاياه ويوظف الذكاء الاصطناعي لاجتياح ليبيا بالتضليل الإعلامي، لتمزيق ليبيا، فقد يزول اسم ليبيا من الخريطة. ولزرع شوكة في الخاصرة الغربية لمصر، ولوقف التمدد الروسي والصيني في إفريقيا، وللتأثير على الجهود الروسية في حرب أوكرانيا طبعا الذين نهبوا ونقلوا مسروقاتهم إلى الخارج لا تهمهم ليبيا أو شعبها، فكأنهم يعيشون في ليبيا بالإيجار.
رغم أن قدرنا أن نعيش هذا الوضع المضطرب، لكن الأولوية لأي مسؤول يحمل ذرة وطنية أن يدرأ عن شعبنا هذا الخطر المحدق، في أن يصبح ضحية الصراع بين الشرق والغرب، على الأقل بالتعبير عن النوايا التي بصدورنا، لبناء علاقات ندية ومواقف غير منحازة لأي قطب، آخذين في الاعتبار قاعدة صديق عدوك عدوك، مستلهمين من تجارب التاريخ المواقف الداعمة لقضايانا، مقابل مواقف الغزو والنهب ومناصرة العدو، وذلك حفاظا لمصلحة الليبيين وعروبتهم وإسلامهم.
الحل يكمن في الوعي والتنظيم، فعلى القوة السياسية الوطنية تحصين الحاضنة الشعبية لقيادة حراك شعبي تحميه القوات المسلحة العربية الليبية، فالتلاحم بين الشعب والجيش هو السبيل الوحيد لإفشال المؤامرة وإنقاذ الوطن، فالاتحاد السوفيتي وثورة 30 يونيو الفريدة نموذجان من التاريخ المعاصر.