مقالات الرأي

هل تتغير السياسة الأمريكية بتغير الرئيس؟

بقلم/ عبدالمجيد قاسم

ثمة مسلَّمة أو حقيقة لا تخفى على أحد، وهي أن السياسة الأمريكية في المجمل مستقرة، رغم تغير الرئيس، وذلك بسبب عدة عوامل رئيسة أهمها معطيات الأمن القومي الأمريكي، والمصالح الاستراتيجية طويلة الأمد، والرأي العام الداخلي، هذا فضلًا عن أن المؤسسات السيادية تلعب دورًا كبيرًا في رسم سياسات هذا البلد، وأهمها الكونغرس، ووكالة المخابرات المركزية، والبنتاغون، والمحكمة العليا. 

ومع ذلك فالشواهد تشير إلى أن لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية دورًا بارزًا في إعادة تشكيل السياسات، وفي ترتيب الأولويات، بل وفي تغيير مواقف الدولة بشكل جذري، أي قد تتغير مواقف وسياسات أمريكا بتغير الرئيس، وهو ما يجعل من ترقب دول العالم الثالث للانتخابات الرئاسية الأمريكية، ذلك الترقب الذي قد يصل إلى حد دعم أحد المرشحين ضد الآخر، مبررًا، والأمثلة كثيرة على تغير السياسة الأمريكية بتغير الرئيس. 

فعلى صعيد السياسة الخارجية، نجد أنه خلال فترة دونالد ترامب، اتخذ الرئيس خطوة كبيرة في تغيير السياسة الخارجية الأمريكية تجاه بعض الدول، مثل الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ (2017)، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني (2018)، إضافة إلى تطبيق سياسة “أمريكا أولًا” التي ركزت على تقليص التزامات أمريكا الدولية.

وفي المقابل، خلال فترة جو بايدن، عادت أمريكا إلى المشاركة في اتفاقية باريس، وعاد الالتزام بالاتفاق النووي الإيراني إلى حد ما، وهو ما يظهر التباين الكبير بين السياسات الخارجية بين الرئيسين، وعلى صعيد السياسة الاقتصادية، فقد أطلق الرئيس دونالد ترامب سياسة الضرائب المخفضة عام 2017، حيث تم تقليص الضرائب على الشركات الكبرى بهدف تعزيز الاستثمار والنمو الاقتصادي، وقد واجهت هذه السياسة انتقادات واسعة باعتبار أنها تخدم الأغنياء بشكل أكبر، بينما قام جو بايدن بطرح خطة الإنقاذ الأمريكية في 2021 التي تضمنت حوافز اقتصادية كبيرة لمواجهة تداعيات جائحة كورونا، ودفع باتجاه زيادة الضرائب على الأغنياء والشركات الكبرى في محاولة لتحقيق العدالة الاقتصادية.

وعلى صعيد القضايا الداخلية، نجد أنه في مجال البيئة على سبيل المثال، قام باراك أوباما في 2015م بتوقيع اتفاقية باريس للمناخ التي تهدف إلى تقليل انبعاثات الكربون عالميًا، لكن دونالد ترامب انسحب من الاتفاقية في 2017 كما أسلفنا، مشيرًا إلى أنها تضر بالاقتصاد الأمريكي، ثم عاد جو بايدن للانضمام إليها مجددًا في 2021، في خطوة تعتبر انعكاسًا لتغير الاتجاهات السياسية.

أيضًا المحكمة العليا وبرغم أنها تعمل بشكل مستقل، فإن تعيين القضاة فيها من الرئيس قد يؤدي إلى تغير في توجهاتها، كما حدث عندما قام دونالد ترامب بتعيين ثلاثة قضاة خلال فترة رئاسته، مما جعل المحكمة ذات أغلبية محافظة، وقد كان لهذا التعيين تأثير عميق على القرارات القضائية، مثل قضية “رو ضد ويد” الخاصة بحق الإجهاض التي تم إلغاؤها في 2022 تحت حكم المحكمة العليا بعد تعيين القضاة المحافظين.

وما ذكرناه لا ينفي طابع الاستقرار الذي تتسم به السياسة الأمريكية، والذي تساهم فيه مؤسسات مستقلة تعمل إلى جانب الرئيس، وتعمل على تشكيل تلك السياسة على المدى الطويل.

فالمؤسسة العسكرية ومؤسسة الاستخبارات تعملان بشكل شبه مستقل، وقد رأينا أنه رغم التغيير في القيادة، استمرت السياسات العسكرية في التوجه نحو التصعيد في بعض الأماكن مثل أفغانستان أو التوترات مع إيران، كما استمر الانخراط العسكري في مناطق مثل الشرق الأوسط.

أيضًا الرأي العام والمجتمع المدني، هما من عوامل الضغط التي قد تُجبر الرئيس على تعديل سياساته، كما حدث في السبعينيات، حيث أثرت حركة الحقوق المدنية بشكل كبير في سياسة الولايات المتحدة تجاه الأقليات، كما تسببت الاحتجاجات الواسعة في الشارع ضد حرب فيتنام في تحولات كبيرة في السياسة الأمريكية.

وأخيرًا لا ننسى دور المؤسسات المالية واللوبيات، كلوبي صناعة الأسلحة، ولوبي الصناعات النفطية، ولوبي الأقليات في التأثير في القرار الأمريكي، وإجبار الرئيس على انتهاج نهج معين.

والخلاصة، هي أن التغيير في السياسة الأمريكية يظل ممكنًا مع كل تغيير رئاسي، لكنه في أغلب الأحيان يتأثر بالقوى والمؤسسات الأخرى، وأنه على الرغم من أن الرئيس يمكن أن يوجه السياسة في مجالات معينة مثل الاقتصاد والسياسة الخارجية، فإن السياسات الكبرى المتعلقة بالأمن القومي تبقى مستقرة إلى حد بعيد.

زر الذهاب إلى الأعلى