مقالات الرأي

لا رهان ولا أوهام على الإدارة الأمريكية ويجب استعادة زمام المبادرة

بقلم/ محمد علوش 

وأخيرًا أنجز الاستحقاق الرئاسي الأمريكي الذي اشتدت فيه المنافسة وارتفعت حرارة الصراع وتبادل الاتهامات ما بين مرشحي الرئاسة، المرشح الجمهوري الرئيس الحالي المنتخب دونالد ترامب، والمرشحة الديمقراطية كمالا هاريس، التي جاءت النتائج لتعيد ترامب مرة أخرى ليكون الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية. 

وبصرف النظر عن وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وعدم قناعتنا بالرأي السائد عند بعض الاتجاهات السياسية، أن لا فرق بين الاثنين خصوصًا تجاه قضايا الشرق الأوسط، إلا أنه وبالمقابل لا يبدو أيضا بالأفق ما يشير إلى أن هناك رؤية وطنية فلسطينية محددة للتعامل مع نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة ومعطياتها، والتي وبدون أدنى شك ستؤثر تأثيرًا بالغًا على مجرى الصراع في المنطقة وعلى مستقبل التسوية السياسية على الأقل خلال الفترة الرئاسية الجديدة، وذلك وفقًا للترتيبات التي تبنتها إدارة بايدن، وخصوصًا انسحابها الواقعي من رعاية العملية السياسية وتحولها من راعٍ لها إلى شريك لإسرائيل في جريمة الحرب والإبادة الجماعية وتشجيع إسرائيل على القيام بكل هذا العدوان الإرهابي الهمجي، وتنصلها من كافة الالتزامات السابقة وتوفيرها الدعم والغطاء والحماية للاحتلال للإفلات من العقاب على ما يرتكبه من مجازر بحق الإنسانية.

إن أهمية بلورة موقف فلسطيني كجزء من استراتيجية للتحرك السياسي والدبلوماسي وفقًا لسيناريوهات وخيارات متعددة، مستندًا إلى جملة من الخطوات الداخلية التي تعطي مؤشرات على جدية استئناف ومواصلة خطة الإصلاح الوطنية والتجديد وفقًا للأجندة الفلسطينية، أمر في غاية الأهمية ارتباطًا بوضع جملة من الحقائق أمام الإدارة الأمريكية الجديدة، وكذلك لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، كما أنه من الأهمية أيضًا استعادة زمام المبادرة السياسية والبناء على هذا التحرك السياسي والدبلوماسي الهجومي الفلسطيني في ضوء جملة من المكاسب الدولية التي تحققت بعد وصولنا الى محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية لملاحقة قادة وجنرالات الاحتلال، وسلسلة الاعتراف بدولة فلسطين، وما تم إحرازه بأغلبية 124 عضوًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة واتخاذها قرارًا يطالب بأن تنهي إسرائيل “وجودها غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة” خلال 12 شهرًا، بناء على فتوى طلبتها الجمعية العامة من محكمة العدل الدولية بشأن الآثار القانونية لسياسات إسرائيل وممارستها في فلسطين.

ومما لا شك فيه أن هذه اللغة الجديدة التي سنطل بها على العالم بعد أن نكون قد أنجزنا ما علينا إنجازه سيعزز من فرص تحركنا السياسي ويعيد زمام المبادرة لأيدينا من جهة ويمكننا في لحظة سياسية محددة من إطلاق مبادرة سياسية متكاملة، انطلاقًا من الإنجازات التي تكون قد تحققت للمراكمة عليها، بيد أن صدقية أي مبادرة سياسية فلسطينية تنبع من مدى جدية هذه المبادرة ويحكم العالم على مدى الصدقية والجدية من خلال تعبير هذه المبادرة عن توافق وطني شامل يتم من خلال استئناف الحوار الوطني الفلسطيني – الفلسطيني على أساس إنهاء الانقسام بأفق وبأجندة وطنية برنامجية، وليكن “إعلان بكين” أساسًا لها.

إن هكذا مبادرة سياسية في ظرف سياسي موات وبدون أوهام مسبقة بأنه ومن الممكن في ظل حكومة اليمين المتطرف والفاشية الجديدة برئاسة نتنياهو قد تستأنف العملية السياسية على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية.

نقول إن هكذا مبادرة من الممكن أن تخرج القضية الفلسطينية من حالة الشلل الذي تعيشه، ومن مأزق الاشتراطات الأمنية (والإصلاحية) المسبقة، وتسحب الذرائع من أيدي حكومة نتنياهو والولايات المتحدة الأمريكية، وتطرح خيارًا ومدخلًا آخر للحل، ينطلق من الأساس الديمقراطي ومن ممارسة الحق الطبيعي للشعب الفلسطيني لتقرير مصيره عبر انتخابات عامة حرة ونزيهة، كما أن هذا التحرك من الممكن وبالظروف الدولية الجديدة التي قد تنشأ بعد هذه الانتخابات الأمريكية أن يكتل قوى دولية، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي التي سوف تسعى لإعادة صياغة معادلة العلاقات الدولية التي اختلت في عهد إدارة بايدن، ومع الاهتمام كذلك بتعزيز وتنمية العلاقات الاستراتيجية مع روسيا الاتحادية والصين الشعبية ومجموعة البريكس والجنوب العالمي، وعدم الرهان على الموقف الأمريكي والعلاقات الأمريكية فقط.

ومع احترامنا لإرادة الشعوب بانتخاب قادتها، ليس لدينا أي مشكلة مع أي رئيس في العالم، مقابل احترام إرادة الشعب الفلسطيني في حقه بتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وإنهاء الاحتلال عن أرضه، وعلى الإدارة الأمريكية القادمة أن تتعامل بجدية مع القضية الفلسطينية، فالإدارة السابقة انتقلت من الانحياز إلى الدعم وإلى الشراكة مع الاحتلال في عدوانه على شعبنا في حرب الإبادة الجماعية المتواصلة، والمجتمع الأمريكي صوت عقابيًا ضد تلك الإدارة، وخصوصًا في الولايات المتأرجحة ضد سياسة الإدارة السابقة بشراكتها ودعمها للاحتلال.

إن تحقيق الأمن والسلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط يمر عبر بوابة حل القضية الفلسطينية بالسلام العادل والشامل وإنهاء الاحتلال وفق قرارات الشرعية الدولية، وإقامة الدولة الفلسطينية، والبدء بإنهاء العدوان وحرب الإبادة الجماعية، والحكم على إدارة ترامب والتعامل معها فلسطينيًا، يجب أن يخضع وأن يكون بقدر تجاوبها مع قضية شعبنا وقدرتها على الإيفاء بالالتزامات الدولية والعمل مع القيادة الفلسطينية لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة، إن حالة الانتظار والشلل في عالم مضطرب ومتحرك، تشكل خطورة كبيرة على قضية الشعب الفلسطيني وتهدد مكاسبه وإنجازاته التي حصل عليها بتضحيات كبيرة بالتآكل والضياع، ويفرض معطيات جديدة قد لا نستطيع تجاوزها ولا يكون فيها الوقت دائمًا لصالحنا.

زر الذهاب إلى الأعلى