مقالات الرأي

الخطاب المزدوج

بقلم/ المهدي الفهري

العالم يتجه نحو مزيد من التغول والتوحش أمام رفض المسيطرين عليه للعيش في كنف المساواة والعدالة الاجتماعية ليحولوا بذلك قيمة الإنسان السامية إلى ما يملكه من نقود وليس لما يحمله من مُثل ومشاعر وأحاسيس من خلال تبني واتباع سياسة ازدواجية الخطاب واستراتيجية الاحتواء المزدوج والوصول بنا إلى واقع نسجته مافيات السطو ومناصرو العولمة مفاده استمرارية خداع الشعوب واستعبادها وطمس أي دور يتولاه الوطنيون والمفكرون والنخب المثقفة لمقاومة الظلم والفساد

تقاسم نفس الأفكار ونفس الأهداف يجعل العمل أكثر نجاحًا ووضوحًا وموضوعية، ويولد رؤية مغايرة لما يقوم به الآخرون من استغلال لأفكارهم بطريقة سيئة عبر ما يُعرف بالطابور الثقافي الخامس وما يصاحبه من طيش ورعونة وكيدية ومن محاولات لإعادة تشكيل الوعي والذاكرة والوجدان بناء على افتراضات وهمية تتعارض مع أهمية سرد الحقيقة كما هي وتتناقض مع الفهم التاريخي لحقائق الأشياء وما يحصل اليوم من خرق وانتهاكات علنية وليس سرية للقيم الأخلاقية والإنسانية ومن تجاوزات للقوانين والأعراف الدولية تجاوز وتخطى المؤامرات، ولم تعد المؤامرة نظرية نؤمن أو لا نؤمن بها، بل أمست حالًا وواقعًا معاشًا وحقيقة يراها ويلمسها الجميع، وما يقوم به الإعلام الموجه والمتواطئ من تسفيه وتسخيف لنظرية المؤامرة هو في حد ذاته أكبر دليل على وجودها واستمرارها، وإذا كان كل ما نراه ونلمسه اليوم من أزمات وما نشهده من نفاق وغض للطرف من طرف العالم الحر والمنظمات الدولية والإنسانية أمام ما يحدث على الساحة العالمية من كوارث ليس بمؤامرة فما هي المؤامرة إذًا؟!! 

نعم كم نحن في حاجة إلى رؤية معاصرة تعيد الاعتبار لفهم وتصحيح المفاهيم والمصطلحات التي تسود العالم، فما يجري هو غزو ثقافي وقلب للموازين وتعدٍّ على حقوق وثقافات الأمم والشعوب، وما يحدث هو استعباد لحريتها وليس لتحريرها، والسؤال المطروح هل يوجد توجه يوقف هذا القهر ويزيل هذا الغبن ويبدِّل هذا الأسلوب الهمجي؟ القائم على توظيف كل شيء لصالح أصحاب الجاه والنفوذ وتزويدهم بالمال الفاسد لبناء إمبراطوريات الباطل وتولي إثارة الفتن والحروب البينية وتوظيفها لخدمة مشاريعهم وأجنداتهم المختلفة وباستخدام واستغلال المؤسسات الدولية كمنابر وأبواق لتسليط العقوبات السياسية والاقتصادية على من يخالف سياساتهم من خلال الاتفاق مع نظرائهم في هذه المؤسسات التي أضحت هي أيضًا ضحية ورهينة في أيدي القوى الكبرى والعظمى التي تتولى افتعال وإدارة هذه الصراعات، وهذا ما يدعونا في كل مرة إلى الدعوة إلى تجديد الخطاب الثقافي للمواءمة بين العقل الإنساني والمخزون الفكري والثقافي الذي نملكه والاتفاق على تعريف محدد ومنصف لهذه الهيئات وإظهارها على حقيقتها في حواراتنا وفي مناهجنا للمحافظة على قيمنا كبشر وعلى نقاء وسلامة جيلنا الجديد وبما ينمِّي فيه فكرة النزعة المقاومة للطغيان التي نشهدها، وهي تسمو وتطفو على أسطح هذا العالم الديموقراطي الذي تقوده عنوة النخب وتغيِّب فيه عمدًا إرادة الشعوب والمبني على النصب والاحتيال والتلاعب بالحقائق واعتماد سياسة الترويج الإعلامي الممنهج ليتحول فيها الكذب إلى أيدولوجية والتزييف إلى ثقافة والقمع إلى أداة ووسيلة لثني الكتَّاب والمفكرين والفلاسفة للتنازل عن أفكارهم ودفعهم إلى الدفاع عن مشروع العبودية والاستغلال عبر المحطات الإعلامية العلنية والمستترة والمنتشرة في كل آفاق الدنيا والمُعدة أصلًا لهذا الغرض لتعلم ونشر ثقافة التجهيل ليكون الإنسان عدو نفسه ووطنه ومبادئه.

إن ما نلاحظه هو أن العالم يتجه نحو مزيد من التغول والتوحش أمام رفض المسيطرين عليه للعيش في كنف المساواة والعدالة الاجتماعية ليحولوا بذلك قيمة الإنسان السامية إلى ما يملكه من نقود وليس لما يحمله من مُثل ومشاعر وأحاسيس من خلال تبني واتباع سياسة ازدواجية الخطاب واستراتيجية الاحتواء المزدوج والوصول بنا إلى الحقيقة الوحيدة الواضحة في عالم اليوم التي مفادها اتفاق مافيات السطو ومناصري العولمة على استمرارية خداع الشعوب واستعبادها وطمس أي دور يتولاه الوطنيون والمفكرون والنخب المثقفة لمقاومة الظلم والفساد والقضاء على النزعة الوطنية الرافضة للتطويع والاستسلام والمتمردة على سلطة المال والأعمال التي تقود وتتحكم في الجميع بلا استثناء!!

زر الذهاب إلى الأعلى