مقالات الرأي

أمريكا بين هوية المواطنة وهوية الزبون

فوزي عمار

من صفحته على الفيس بوك

تهتم الدول عادة بالمواطنة كعامل يعتبر مؤسسا للحياة العامة بيننا، يعتمد النموذج الأمريكي على مفهوم الزبون، الذي لديه القدرة على الشراء ودفع الضرائب أكثر من مفهوم المواطنة.
فلا تجد فرقا كبيرا بين أمريكي حاملا لجواز السفر الأمريكي ومقيم أجنبي يعمل ولديه دخل، بل ربما يكون وضع المقيم أفضل من الأمريكي إذا توفر له المال القادر على دفع تكاليف الدراسة والعلاج له ولأسرته.
فالتعليم والصحة في بلد العم سام بمقابل لكل مواطن ومقيم.. فالمثل الأمريكي يقول: (لا يوجد شيء مجاني في أمريكا).
فأمريكا تختلف في هذا حتى مع أختها الكبرى بريطانيا التي توفر العلاج المجاني من خلال مؤسسة NHS والتعليم لمواطنيها، لذلك لا معنى للمواطنة في أمريكا بدون مال وعمل.
وحالة المواطن الأمريكي جيدة ما دام يعمل ويدفع ضرائب، فالدولة تشاركك أرباحك بنسبة تصل إلى ثلاثين في المائة وأكثر أحيانا، حتى لو قمت بالعمل خارج أمريكا عليك دفع الضرائب لأمريكا، تساعدك الحكومة الأمريكية على اكتساب المال لجني أرباح الضرائب وتفتح باب الهجرة للعقول لتغذي مصانعها.
كما تشعل الحروب وتتدخل في العالم بما يسمح لها بإمداد النفط وبيع السلاح والتقنية مستفيدة من ماكينة إعلانية ضخمة تسوق لمشروعها (الحلم الأمريكي) ومستفيدة من مجموعة من المتحمسين للمشروع الأمريكي من دول العالم الثالث متوقعين لعب دور (كرازي) في دولهم مجبورين تحت وطأة حالة الغربة التي تقود إلى اغتراب بين منبطح للغربنة ومعادٍ لها قد يتحول إلى داعشي ربما تحركه المخابرات الأمريكية السي أي إيه ثم لينتهي به الأمر في سجون غوانتانامو، فأمريكا تعرف كل شيء عنهم.
أمريكا اليوم تلعب الدور الإمبراطوري الذي لعبته بريطانيا عندما كانت لا تغرب عنها الشمس لتتحول بريطانيا إلى جزيرة لا تشرق فيها الشمس ومثل إسبانيا التي احتلت أمريكا اللاتينية وما زال شعوبها يتكلمون لغتها.
إنها حالة مراحل الدول التي يشبهها ابن خلدون بمراحل الإنسان من طفولة وشباب وشيخوخة.
طبعا هذا لا ينفي نجاحات المؤسسات في أمريكا من جامعات ومستشفيات ومراكز بحث علمي، ولكنه نجاح للمؤسسات والشركات بالدرجة الأولى، وإذ يظهر التعدد وانفتاح السوق
ولكن الواقع غير ذلك، فشركة آي فون هي الشركة شبه المحتكرة لسوق الهواتف الذكية وشركة بوينج هي المهيمنة على سوق الطائرات وكل الشركات هي تحت رحمة لوبيات المال في شارع وول ستريت، بل حتى الأحزاب الحاكمة هي حزبان فقط قال عنها المفكر الأمريكي جور فيدال: في أمريكا حزب واحد يحكم بجناحين هو حزب الملكية.
أمريكا تعتمد على الدخل والمال كحاكم مهم للهوية لأن الأمريكي الأحمر صاحب الأرض لم يعد له حضور، فهو يعيش في مجمعات سكنية مغلقة أشبه بالسجون داخل أمريكا الديمقراطية بعد أن استعملت البارود في القضاء عليه حين اكتشفت الأرض الجديدة أول مرة.
أمريكا التي تؤمن باقتصاد السوق الحر، ولكنها لا تؤمن بالحرية عندما تكون لصالح غيرها فهي نفسها تمنع بيع الحديد الصيني بحجة سياسة عدم الإغراق!! هي نفسها أمريكا التي منعت شركة موانئ دبي من الاستحواذ على إدارة الموانئ الأمريكية بحجة الأمن القومي!
أمريكا تفعل ما تريد ولن تعدم الوسيلة في إيجاد مبرر ولن تتعب في إيجاد مطبل وكرزاي جديد لأي شعب من شعوب الأرض يقيم على أرضها ما دام الدولار هو العملة الأقوى في العالم وما دامت اتفاقية البترودولار قائمة وكل بنوك العالم الثالث عليها تخزين أموالها في أمريكا والدولار هو من يحدد الهوية الأمريكية وليس أي شيء غيره، فأنت إما مالك لإحدى الشركات المهيمنة في السوق أو تملك المليارات ليحق لك دخول الانتخابات الرئاسية، أما غير ذلك فأنت مواطن لا قيمة له إلا بقيمة حسابك البنكي فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى