مقالات الرأي

فقراء!! من سواهم يدفع الثمن؟

فتح الله سلطان

أوشكت حرب غزة على دخولها الشهر الرابع وما زال النضال والقتال الأسطوري لكتائب المقاومة ضد جنود الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي مستمرا، كل هذا يحدث ووسائل الإعلام المختلفة تنقل بالصوت والصورة الملونة لحظة بلحظة المجازر المرعبة التي يرتكبها العدو الصهيوني بلا رحمة ولا شفقة مدفوعا بكراهية وحقد دفين ضد كل ما هو فلسطيني وعربي متزامناً مع تهجير وطرد جماعي ممنهج “ولأهل غزة بئس المصير”.
الوقت يمر والقتل والدمار يزداد لحظة بلحظة ولم يفلح استجداء ولا استغاثة شيوخ ونساء وأطفال غزة ولا صريخ أهلها المكتوم لنجدتهم ورفع المعاناة وإحقاق الحق ونُصرة المظلوم، لكن هيهات هيهات فالنخوة والشهامة العربية تلاشت، ولم يعد لها مكان عند البعض من الأشقاء وكأنهم عن النُصرة معرضون وعن الفزعة غير راغبين ولِمَا يحصل لغزة غير معنيين ولا آبهين! وللبعض الآخر بالتأكيد للنُصرة راغبون، ولكن ما آل إليه حالهم من تآمر الأشقاء عاجزون ولأهل غزة هم آسفون!!
ولعل من أهم نتائج حرب غزة الأخيرة كشف زيف وبطلان ادعاءات فرسان الكلام بقدسية تحرير أرض فلسطين والمسجد الأقصى من دنس الصهاينة المحتلين أحفاد القردة الخنازير، فلما جاء الجَد ووقعت الفأس بالرأس تراجع أصحاب المعالي والسمو عن مقاومة العدو وفضلوا تقديم أهل غزة وكتائبها قرباناً للصهيوني المحتل لإرضاء سادتهم وعرّابيهم الأنذال على حساب كبرياء وشرف وتضحيات الأمة العربية وما قدمته من الغالي والنفيس خلال أربع حروب خاضتها من أجل قضيتها المركزية فلسطين.
هذا والمثير للاستغراب الموقف السلبي لبعض الدول العربية خاصة الفاعلة منها وتخليها عن الواجب القومي المقدس لنُصرة ودعم ومساندة أهل وكتائب غزة عسكريا ومدنيا في حربهم ضد المحتل الصهيوني طيلة الشهور الثلاثة الأخيرة، ولعل المقاربة التالية تسلط الضوء على الواقع المرير المتردي الذي وصل إليه حال الدول العربية وشعوبها خلال العقود الخمسة الأخيرة، فالبعض فضل نظام الحكم الجمهوري معتمداً علناً نهج التحرر من التبعية الغربية والآخر مُكِّن له نظام ملكي معتمداً سراً البقاء تحت إملاءات التبعية الغربية، وبالرغم من أن كلا النظامين مرجعيتهما عربية واحدة وأعضاء بالجامعة العربية فإنهما لم يتفقا على رؤية عربية موحدة، فكل نظام صار يُسَوِّق لأجندته، حيث بدأ الصراع على السلطة تارة علناً وسراً أخرى لإدارة المنظومة وفق التوجه السياسي لكل نظام، وبالرغم من محاولات البعض رأب الصدع فإن دائرة الخلاف بدأت تكبر وتتسع إلى حد القطيعة.
وبما أن من يملك المال فله التأثير الأكبر في قلب الموازين لصالحه وهذا ما حصل بالضبط فعندما قدمت بعض الأنظمة التقدمية العربية الفقيرة تصور مشروع الوحدة العربية وذلك تلبيةً لإرادة الشعوب العربية إلا أن بعض دول المنظومة الرجعية الغنية وبمساندة الدول الغربية إضافة إلى سحر المال الفاسد تمكنت من إفشال المشروع لصالح التبعية الغربية وإسرائيل!!
أحداث غزة الجارية أعادت التاريخ نفسه مرة أخرى حيث لعبت العمالة والمال الفاسد دورهما القذر في السيطرة على قرارات جامعة الدول العربية وإخضاعها إلى إملاءات التبعية الغربية بالتآمر على تدمير دول عربية معينة لديها قدرات عسكرية هائلة بمقدورها لجم وردع إسرائيل، وما حصل للعراق وسوريا واليمن وليبيا خير دليل على ما أقول، فالذي حدث وسوف يحدث لغزة في حربها الضروس ضد العدو الصهيوني ليس باستثناء من قِبل دول التبعية الغربية، ففي العلن التنديد والاستنكار وفي السر همساً دَمِروهم واعطوهم على رؤوسهم! ولتذهب غزة وفلسطين إلى الجحيم، ولسان حالهم يقول نحن لإعادة الإعمار جاهزون، ولكن لصالح من؟ الجواب لا يحتاج إلى تأويل ولا اجتهاد!!
التاريخ يعيد نفسه، فاليوم غزة وأهلها وغداً الضفة وأهلها وبعد غدٍ وبلا استثناء الدول العربية وشعوبها، فالذين تآمروا بالأمس مع المغول والتتار يعيدون اليوم نفس السيناريو مرة أخرى، ولكن مع فارق التسميات والأزمان!!
الذين ينتقدون من هنا وهناك دور مصر من أحداث غزة!! فمصر لا يعنيها من قريب ولا من بعيد اتفاقية (كامب ديفيد) ولعلها تنتظر أي خطأ يرتكبه الصهاينة لاتخاذه ذريعة للخروج من تلك الاتفاقية المذلة، وفي هذا الخضم فهي تستعد أيضا للتعامل مع أبعاد احتمالية قيام إسرائيل بتفجير سد النهضة أو اللجوء إلى الخيار النووي وذلك عند استشعارها الخطر أو قرب هزيمتها فهي لا تتردد في فعل أي شيء فهي لا ترقب في أي فلسطيني أو عربي إلاً ولا ذمة!! ومع أن كل هذه السيناريوهات الصعبة متوقعة عند الساسة المصريين، لكن وبالرغم من ذلك فمصر وكالعادة لن تتخلى عن واجبها القومي المُلِح، وكما هزمت مصر المغول والتتار والصليبيين الغزاة وحدها في الماضي، فهي اليوم دون سواها القادرة بالتعاون مع كتائب المقاومة ودعم أهل غزة على دحر العدو الصهيوني حتى ولو في أحلك الظروف والأحوال.

زر الذهاب إلى الأعلى