إشكاليات قانونية – الأحوال المدنية

عبد المجيد قاسم
تعد قضايا الأحوال المدنية من القضايا ذات الأهمية بالنسبة إلى المواطن، لما يترتب عليها من أمور لصيقة بالشخص، فالشخص بمجرد ولادته تبدأ رحلته مع الأحوال المدنية، حيث يتم اختيار اسم له، ويتم التبليغ عن ولادته في السجل المدني، ويتم تسجيل اسمه، وجنسه، ومحل ولادته، وتاريخها، ويكتسب بالتسجيل نسبه لأبيه، وجنسيته، ولقبه، ويكتسب في ليبيا رقما وطنيًا، ويكون بذلك مواطنًا ليبيًا، له ما لليبيين، وعليه ما عليهم، وتستمر علاقة المواطن بالأحوال المدنية حتى وفاته، فيتم الإبلاغ عن وفاته كما تم الإبلاغ عن ميلاده، فيسجل تاريخ الوفاة، ومكانها، ونوعها، هل هي طبيعة أم غير ذلك.
والمفارقة أن المواطن في كلاا الحالتين لا يقوم هو بالتبليغ، بل يقوم بها غيره، فأبوه أو وليه هو من يبلغ عن ميلاده، وهو من يختار له اسمه، وأبناؤه أو أقرباؤه هم من يبلغون عن وفاته، لذا، وفي الرحلة ما بين الميلاد والموت، قد يضطر الشخص إلى تعديل بعض القيود الخاصة به أو تصحيحها، وقد يكون التعديل أو التصحيح بتغيير قيد، كما هو في تغيير الأسماء، أو بإضافة قيد ناقص، كما هو الحال في إضافة الألقاب، ولأنها قيود رسمية فالتعديل أو التصحيح منازعة مع الجهات ذات العلاقة، وقضية لا يفصل فيها سوى القضاء، فقيود الأحوال المدنية قيودٌ رسميةٌ، وحجةٌ على الغير، ولا يمكن تعديلها، أو تصحيحها إلا بإجراءاتٍ حددها القانون، والقانون هنا هو القانون رقم 36 لسنة 1968م بشأن الأحوال المدنية، وتعديلاته، والأمر لا يسلم، فالتعديلات سلم منها القانون كله تقريبًا عدا نص واحد جرى عليه التعديل عدة مرات، وهو نص المادة 46 من هذا القانون، وهي المادة الخاصة بتعديل قيود الأحوال المدنية وتصحيحها، فعدل النص مرة تلو الأخرى، وفي كل مرة يتم إعادة تنظيم الأمر من جديد، حتى ألغى آخر تعديل وهو الذي نص عليه القانون رقم 7 لسنة 1428، أي 1998م، وذلك بموجب القانون رقم 15 لسنة 2013م، فعادت الحياة للتعديل الذي قبل التعديل الملغى، أي القانون رقم 7، لسنة 1988م.
وعموما، ودون الخوض في إشكالية النص، فإن إشكالية أخرى هي محور هذا المقال، تحتاج إلى تسليط الضوء، وتحتاج إلى لفت انتباه الجهة التشريعية في البلاد إليها، فنص المادة 46 من قانون الأحوال المدنية وفق التعديل الذي استقرت على تطبيقه المحكمة العليا ينص على أن التصحيح أو التعديل يتم أمام المحكمة الجزئية التي يقع في نطاق اختصاصها السجل المدني المختص، على عد أنها الأقرب للمواطن، لكنه من جهة أخرى حصّن بعض القيود وهي تحديدًا السن، وتاريخ الميلاد، فالاسم بحسب النص لا يمكن تعديله إلا إذا كان مقيدًا قبل العام 1968م، وهو العام الذي صدر فيه قانون الأحوال المدنية، وتاريخ الميلاد لا يمكن تعديله إلا إذا كان مقيدًا قبل العام 1960م، ولا أدري الحكمة من هذا التحديد، ولا الحكمة من تحصين هذه القيود، فلا يمكن تعديلها، فالحكمة كان يمكن فهمها لو كان الأمر معكوسًا، على اعتبار أن القيد يحصن بأقدميته، لكن أن يحصن القيد بمجرد تسجيله فلا يمكن تصحيح ما يعتريه من أخطاء فهذا من الأمور التي يكتنفها الغموض، وتسبب إشكاليات قانونية في المحاكم.
أيضًا إشكالية إضافة الألقاب لمن لديهم أسماء ثلاثية فقط، فقد نص القانون المدني في المادة 38 من القانون المدني على أنه: “يكون لكل شخص اسم ولقب، ولقب الشخص يلحق أبناءه”، ونص في المادة 39 من ذات القانون على أنه: “ينظم بتشريع خاص كيفية اكتساب الألقاب وتغييرها”، وهذان النصان موجودان في القانون منذ صدوره، أي منذ العام 1953م، لكن الإشكالية أنه لم يصدر إلى الآن قانون أو تشريع خاص يبين كيفية اكتساب الألقاب وتغييرها، مما ترك فراغًا تشريعيًا تعمل المحاكم من خلال اجتهادها على سده، مما سبب اختلافًا في الأحكام نتيجة اختلاف الفهم، فثمة من يعد اللقب هو ذاته الاسم الرابع، وثمة من يرى أنه اسم العائلة، وثمة من يرى الأمر اختصاصًا للمحاكم الجزئية على اعتبار أن الاسم واللقب متلازمان، وثمة من يراه اختصاصًا كليًا أي للمحاكم الابتدائية، على اعتبار أن دعوى إضافة اللقب دعوى غير محددة القيمة، وهكذا.
والأمر عمومًا مثار جدل، مع ما يسببه للمواطن من إرهاق، وما يسببه للمحاكم من إرباك، لذا وجب التنبيه إلى أمرين، وأتمنى أن تصل هذه المقالة إلى مجلس النواب ليدرس الأمر ويوليه عنايته، الأمر الأول ضرورة سد الفراغ التشريعي الذي تم ذكره آنفًا في موضوع الألقاب بصدور تشريع ينظم كيفية اكتسابها وتغييرها، والأمر الثاني إسناد مهمة تغيير قيود الأحوال المدنية وتصحيحها إلى لجان ذات اختصاص قضائي بدلاً من المحاكم لأن الأمر لا يعدو كون إجراء إداريًا، وينبغي أن يظل كذلك.
